عيسى عبدالقيوم
"عزيزي السياسي" *
عزيزي السياسي .. صاحب المقام .. وحارس الأنام .
فى البدء أحمد الله اليك الذى لا يُحمد على مكروه سواه .
وبعد ..
وصلتني رسالتك الأخيرة .. فضحكت منها كثيرا .. فقد ذكرّتني بأيام المراهقة التى كنت أظن أنها مرحلة وخلصنا منها .. فقلت فى نفسي مازال هو .. هو.. وكأن قوانين التطور غلبت فيك .. أو مرت يوم أجازتك المفتوحة .. عموما أنا سعيد أنك مازلت عايش حتى اليوم .. والله ظننت أنك على وشك الإنقراض .. وهذا يدل على أن البيئة التى " تلت وتعجن " فيها مازالت طريه.. وعلى نياتها كيف أيام القرامات .
ياسيدي ما يدوم إلا وجه الله .. والحمد لله أنك عايش ومعيش الواشون .. وصاحب وظيفة وحيثية.
عزيزي السياسي :
أخر مرة سمعت فيها صوتك كانت منذ سنين حين كنت تخاطب الجماهير .. وما تزعلش مني يا ريّ شعرت وكأن عباراتك التى ترددها سبق وسمعتها منك أيام الإذاعة المدرسية !! .. وكنت تشالي وتهاتي وتقول فى كلام كبير على المستقبل وما فيه إصلاحات .. فقلت الكازي مستفيد حتى من المسافة التى كان يقطعها بين محطة الاوتوبيسات والفندق البلدي .. والتى كانت تعج بالتقازات .. وضاربات الودع .. ولأن الشيء بالشي يذكر .. فالعبارات التى تبدأ بكلمة الطريق طويلة .. وفيها عقبات .. ثم تنتهي بنبوءة ورديه .. تشبه الى حد كبير ما كانت تقوله التقازات لعابري السبيل من جماعة التجنيد الإجباري ( دفعة المغفلين ) وهم فى طريقهم الطويلة نحو معسكراتهم فى البمبه أو قرناده .. يعني شيء يشبه جبر الخواطر .. فتعجبت لأني كنت أظن أن الكلام السياسي حاجة مميزة ولا يشبه دق الحنك .. ولا يتقاطع مع ما يقوله " صاحب العقل " فضلا عن أن يتطابق مع خواطر أمك طمبو .
بعد خطرها.. أتذكر صديقنا الطويل الطرطور الذى كان يجلس دائما فى نهاية الفصل.. ذاك الذى كان يدعي الحكمة بأثر رجعي .. وكنا ننعته بـ " المريوح ".. لا أخالك قد نسيته لأننا كنا نضحك من تصرفاته .. وهو يظن أنه كان يسلبنا إرادتنا بذكائه وتقمصه لدور الفقي .. تصور سمعت أخيرا أنه قد تحول هو الأخر الى السلك السياسي .. ويسعى لإقامة قلعة من قلاع الوهم المريح !!.. وبرغم من أن معرفتي به ليست عميقة إلا أن المشهور عنه ـ أيامها ـ أنه دائما خاش على الجبل بقادومة .. ولعل هذا كان أيام زمان وربما جدت فى الأمور أمور لا نعرفها.. فإذا تصادفت معه فى الساحة السياسية.. وأنا أعرف أن الجبال ما يتلاقن ولكن السياسيين يتلاقوا ولو فى خرم يبره .. فبالله أمانه أنك تسلملي عليه واجد .
صديقي العزيز :
أرجو أن لاتفهم كلامي القادم على أنه موجه اليك ـ لا سمح الله ـ فما بيننا من عيش وملح يفوق ما تنفقه منظمة الفاو على بلوعة أفريقيا.. وإذا شئت فإعتبره نوع من الفضفضة .. يا سيدي يصنف الناس تذوق الجمال على أنه نتاج ثقافة يتعلمها الإنسان منذ نعومة أظفاره لتؤهله فى النهاية لأن يقف أمام لوحة .. أو نحت .. أو مَعلم معماري ليقول كلمة : آه ما أروع ذلك .. وهي كلمة فى مستوى القييم .. أما من عاش حياته الدراسية متغيبا عن حصة الرسم بإعتبارها مضيعة للوقت .. ويُنزِل حصة الموسيقى منزلة إستراحة الفطور التى يخصصها لحشو كرشه بالفاصوليا ولزيارة الكنيف .. فلاشك أن ذلك المخلوق حين يقف أمام لوحة فى أحد المعارض .. أو بالقرب من مجسمات متحف الشمع .. ويقول : آه ما أروع ذلك .. لاشك أنه ـ ساعتها ـ لا يشبه حتى ظله .. وأتخيل ـ دون أن أجزم ـ بأن هناك ـ فى تلك اللحظة بالذات ـ هاتف بداخله يخبره بأنه كذاب كبير .. تماما كما يفعل بعض ممن يقابلونك على مسرح الحياة أثناء تعقيب أحدهم على الممارسة السياسية الصحيحة بالقول لصاحبها " أحسنت " .. كأنه يقوم بتصحيح كراسة طالب شاطر من موقع الأستاذ الذى أنفق عمره متنقلا بين الفصول والمدارس .. عزيزي أعرف أنك أصولي فى فن السياسة رغم أنف من يراك وصوليا .. ولكن الموضوع كله من جنس " حدث لغيرك فى مثل هذا اليوم " ! .
صديقي :
لقد شاهدت صورك وأنت تتصدر المجاميع .. فأيقنت أنك بالفعل خطير.. تماما كما تنبأ لك غفير المدرسة .. فوالله مازالت كلمته يوم أن اكتشفك وأنت تحاول عبور سور المدرسة أثناء الدوام الدراسي ترن فى أذني .. أتذكر يومها نظر إلينا جميعا .. فوجدك وقد إعتليت ظهر أحد رفاقتك .. فتقدم نحوك وأمسك بأذنك وقال لك : " أنت رئيس العصابة !.. تبكش على العويلة .. ودايرهم سلوم يا دبسيس ! ".. فها أنت اليوم بسم الله ما شاء الله أصبحت ماركة مسجله .. يعني سياسي ومش كل حد ينفع سياسي .. فقد خلق الله للسياسة رجال .. ورجال لطبلة وزمير .
عزيزي :
فعلا عندما تدبرت فى رسالتك وما حوته من تفاكير .. ونصائح .. وعروض بالوشي .. شعرت بأني فى حاجة ماسة الى لقاءك .. فقد إشتريت مؤخرا كُتبا تتحدث عن التاريخ والسياسة.. ووجدت فيها كلاما.. إما أنني لم أفهمه .. أو أن تعاطيكم مع السياسة يقع ضمن ما جّد بعد صدور تلك الكتب التى يبدو أن الناشر ( البلعوط ) قد نسي أن يضع عليها تاريخ الصلاحية .. تصور بعض تلك الكتب الصفراء تقول أن للسياسي عمر إفتراضي يُنصح بعده بالتنحي .. وأن السياسي الذى لا يمتلك رؤيا يعتبر فى حكم البطاريا الفاضية .. وتتحدث عن نوع من السياسيين يقع تحت خان القرداتي .. ونوع أخر من جنس صاحب الحرفتين .. أما عن مصطلح التنافس السياسي فيقول أحد هذه الكتب أنها خدعة لطمأنة قلوب المحبين .. وأن الأمر لا يخرج عن إفرازات شعار " صاحب حرفتك عدوك " .. وفى نفس الوقت تتحدث بعض تلك الكتب عن السياسي المحترف .. صاحب التجربة .. والعمق المعرفي .. والحامل للمسئولية برجولة .. غير أن الأوصاف تكاد تندر فى الجلوة التى حدثتني عنها .. أو أن أصحابها من شاغري المقاعد الخلفية .
صديقي :
الكلام فيك مش خسارة.. ولكن الوقت ضيق .. لعلي فى رسالة قادمة سأكتب لك طويلا .. خاصة عن هذا الذى نعتك بـ الطوباوي .. أو ذاك الذى يرى أنك عاجز عن تحريك الماء الراكد وأن مثلك كمثل القابع على قارعة الطرق عّله يظفر بمن ينقله ولو لمحطة .. أو الأخر الذى حاول أن يقنعني بأنك بت تجسد وصف الحرس القديم بجدارة .. ولكن لا تقلق يا عزيزي فأنا فاطن للموضوع .. وأعرف أن نياتهم سوداء تجاهك .. وأن وصف " الوطني " الذى لا نمنحه نحن الليبيون إلا للسمن واللحم والدحي .. هو شعارك الذى ستهدم به أي مشاغب يحاول أن يوقف مسيرتك نحو النبوءة .. وتخرس به من يتشدق بالتجديد .. أو يدعو ـ معاذ الله ـ لضخ دماء جديدة .. فسر على بركة الله فهؤلاء سيكون مصيرهم مثل مصير حصة الزراعة التى وصفتها ذات يوم بأنها زائدة عن الحاجة .. معللا ذلك بوجود إقليم فزان الخالي من الخضرة على قيد الحياة .
صديقي السياسي :
قد يكون سخفا مني أن أشكك فى قدراتك ولو من باب المزاح .. ولكنها خصلة تعلمناها من ثقافة " راس و إلا ذيل " .. فلا تدقق ـ وحشاك من التدقيق ـ فى كل ما يقال حتى لا يركبك الهم وتشيب هذوبك ويسقط شعرك .. لأن بعض المواضيع ـ خاصة فى عالم السياسي الليبي ـ مثل وقرة المشماش .. أسبوعين وأشرب الريح .. عزيزي أنا أعرف أن لكل أزمة محددة الأبعاد والزوايا حلا واحدا .. وإن كان الوصول اليه يعتبر مشكلة .. فأن المشكلة الأكبر فى تقديري هي فى كيفية الإتفاق عليه عند إكتشافه .. الله يثبت عليك العقل والدين.. فأنت بالفعل كما ترى نفسك .. مشاغلك واجده.. وحقك مهظوم .. ولكن أصبر فما هي ـ كما قلت لك ـ إلا وقرة مشماش.. وأرجو أن لا تحرجني بالسؤال عمن أقصد " بالوقرة " .. أنت .. أم الظروف .. أم رأس الخروف ؟! .
والسلام
عيسى عبدالقيوم
* كانت الرسالة الأولى بعنوان : " عزيزي المُخبر " نشرت على موقع " لييبا وطننا" يوم 25 سبتمبر 2004م http://www.libya-watanona.info/adab/essa/ea25094a.htm
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع
![]()