06/09/05


 

حديث الكتب

بقلم: محمود محمد الناكوع

 

فى صيف هذا العام وبعد الانتهاء من اعمال مؤتمر لندن الذى يعتبر محطة جديدة ومتطورة فى العمل السياسى الليبى فى خارج الوطن، عدت الى موقعى المفضل وهو القراءة والكتابة فى اطار فكري، وقد كنت منذ بداية التسعينيات قررت ان اعطى ما استطيع من الوقت والجهد للنشاط الثقافي والعمل الفكري، وارى ان جيلا جديدا من حركة المعارضة يمكن ان يواصل العمل السياسي وما يتطلبه من حراك ونشاط يومي، ولاشك ان ساحات العمل ونمو واتساع شريحة الشباب فى داخل الوطن وخارجه اصبحت اكثر اهتماما بمشكلات المجتمع والحياة. ويظل حديث الكتب وقراءة الكتب بعض زاد مسيرة النضال والحياة ، فيه متعة وفيه فائدة .

 

كانت قراءاتى هذا الصيف لعدد الكتب من اعمال عدد من الكتاب الليبيين بعضهم يعيشون فى داخل الوطن،  والبعض الآخر يعيشون خارج الوطن ... والقراءة التى الخصها فى هذه المقالة لخمسة كتب هي قراءة مقتبضة جدا ، واردت بها اطلالة سريعة قد يستفيد منها بعض القراء المهتمين بعالم الكتب.

 

اول جولة من هذه السياحة كانت مع كتاب الدكتور محمد محمد المفتى ، ذلك الكاتب الرصين فى افكاره واسلوبه وتحليله، وهو احد رموز الثقافة فى ليبيا اليوم والذى اثرى الحياة الثقافية بجموعة من الكتب والمقالات الصحفية، وكان آخر كتبه (السعداوى والمؤتمر بين التمجيد والنسيان) طبعة 2005 وهو  صغير الحجم قليل الاوراق، لكنه يلخص بطريقة مكثفة حياة ونضال الزعيم الوطني بشير السعداوى تلخيصا مفيدا خاصة لكثير من القراء ولكثير من الشباب الذين لا يصبرون على قراءة الكتب الكبيرة وذات التفصيل الممل. المفتى وصف بشير السعداوى بانه ( من اهم الزعامات التى ناضلت بحماس فى المرحلة التحضيرية للاستقلال، واصبح زعيما لحزب المؤتمر الوطنى اكبر احزاب تلك المرحلة، وقد كان السعداوى خطيبا ومناورا سياسيا لكن الأقدار والتوازنات السياسية طوحت به فى آخر المطاف ليعيش منفيا ويموت خارج وطنه. وليبقى رمزا هاما فى تاريخ ليبيا الحديث). وحسب علمى هو اول كتاب يتناول سيرة تلك الشخصية الوطنية المثيرة والمتقلبة فى مواقفها وتحالفاتها فهو تارة مع الامير ادريس وتارة اخرى ضده، وهو تارة مع الانجليز وتارة اخرى ضدهم. ولا شك ان شخصية بشير السعداوى وزعامته لأكبر حزب سياسي فى ليبيا الحديثة والتى استقلت عام 1951 يستحق ان يكون مجالا واسعا لمزيد من الكتب والبحوث.

 

الكتاب الثانى فى هذه السياحة يمكن ان يعرف من عنوانه (لقد اسمعت) لجاد الله عزوز الطلحى احد خبراء الاقتصاد والتنمية فى ليبيا اليوم، وهو من الأسماء التى عاصرت النظام السياسى القائم فى البلاد منذ بدايته وحتى الآن، ويبدو انه احد الذين ضاعت اصواتهم وجهودهم وسط ضوضاء صاخبة، لامكان فيها للفكر او العقل او الحس الوطنى الأمرالذى يجعله يعنون لكتابه بجملة مقتطعة من البيت الشعرى المشهور الذى يقول:

 

لقد اسمعت لو ناديت حيا         ولكن لا حياة لمن تنادى

 

الكتاب به مجموعة من الاوراق تتعلق بموضوعات عامة كتبها خلال السنوات القليلة الماضية، وشارك بها فى ندوات وحوارات بعضها رسمية وبعضها تقع فى اطار منتديات الثقافة العامة. والكتاب يعكس تجربة عملية داخل اروقة مؤسسات الدولة وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والتنموية فى البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية. وقد كتبه صاحبه بعناية فائقة، وباسلوب رصين ولغة جميلة، وبحس وطني فى كثير من الموضوعات. وشمل الكتاب فقرات تتحدث عن الأخطاء الفادحة التى عرقلت مسيرة النمو الصحيح، والتى قادت الى كثير من السلبيات مثل تدنى مستوى الدخول والمعيشة فى فترات معينة ما ادى الى امراض منها  الرشوة،  العمولات، المخدرات، السوق السوداء. ضعف الانتماء الوطنى. وفى الكتاب وبلغة الارقام حقائق مخيفة بشان مستوى السياسات والأداء الاقتصادى، وبشان المستقبل القريب والبعيد للانسان الليبى على المستوى الاقتصادى والاجتماعى ... هو يقول هناك اخطار تهدد جهود التنمية منها غياب الانتماء الوطنى، ومنها: الفساد المالى والادارى ومظاهره استباحة المال العام، وسوء استعمال الموارد، وعدم احترام القوانين المالية، والتبذير، والرشوة، واستغلال النفوذ، والارتجال فى توظيف الموارد ... ما يمكن تنفيذه بمائة يكلف المئات، وما يتطلب تحقيقه سنة، يستغرق سنوات، وما يجب استهلاكه فى عشرين سنة، يبيد ويندثر فى سنوات قليلة ... (ص 112و113 ) طبعة هذا الكتاب الاولى كانت عام 2004 الشركة الخضراء للطباعة والنشر طرابلس.

 

الكتاب الثالث (الغلو فى الدين غلو التطرف وغلو التصوف) للشيخ الدكتور الصادق عبد الرحمن الغريانى وهو كتاب فقهي تقليدي طبع عام 2000 بسبها. ويبدو ان ظاهرة التطرف والغلو التى عمت العالم الاسلامى ومنه ليبيا دفعت الشيخ الصادق الغريانى الى تأليف هذا الكتاب، الا ان المؤلف لم يتناول فى كتابه هذا ابعاد وآثار هذه الظاهرة فى المجتمع الليبى، ولم يخصص لها بحثا يشرح اسبابها وانتشارها بين الشباب الليبى، وهي ظاهرة تستحق ان تدرس وان تعرف جذور الفقه التى تستند عليه ومن اين تسربت الى ليبيا التى لم تعرف هذا اللون من التشدد من قبل ... كما انها تستحق ان تواجه بفكر واجتهاد حديث يتناسب مع التطورات الثقافية والاجتماعية والسياسية لعالم اليوم. الكتاب فى عمومه يكرر اقوال الفقهاء القدامى، بل انه هو نفسه يميل الى التشدد عندما ينتقد ويخالف ابن حزم والامام الغزالى فيما ذهبا اليه فى مسألة الغناء وادوات الغناء، كما انه يخالف رأي الشيخ يوسف القرضاوى الذى استدل فى كتابه ( الأسلام والفن - ط2000 مؤسسة الرسالة )  باقوال ابن حزم والغزالى فى مسالة اباحتهما لنوع من الغناء وادواته الموسيقية، وقد ناقشا الأراء المتشددة فى المسألة.

 

الكتاب الرابع ( القبيلة والاسلام والدولة ) للدكتور فرج عبد العزيز نجم. وهو بحث نال به صاحبه شهادة الدكتوراه من جامعة وستمنستر بلندن. يصفه د نجم بانه ( دراسة تاريخية تحليلية تفصيلية للجذور القبلية للمجتمع الليبى واطواره فى ظل الدولة منذ الفتح الاسلامى حتى بعد الحقبة القرمانليه فى القرن التاسع عشر )  ط 2005 القاهرة. والكتا ب يتناول عصورا زمنية طويلة ولذلك غلب عليه اسلوب السرد التاريخى والدخول فى تفاصيل كثيرة  تحرم القارئ من متعة التحليل المركز والمكثف لحقيقة دور القبيلة فى المجتمع والدولة على السواء. والدكتور نجم الذى لمع نشاطه كباحث من خلال عدد من الصحف الصادرة فى لندن وبمشاركته فى العديد من الندوات الثقافية شارك بجهد مميز فى الاهتمام بالتاريخ الليبى ورجالاته قديما وحديثا، ويتضح ذلك من كتبه الأخرى: ابطال وملاحم -  تراجم ومقالات ليبية - حوارات تاريخية.

 

الكتاب الخامس والأخير (التعددية السياسية فى الدولة الشورية) للدكتور محمد بروين، ويمكن ان يصنف الكتاب فى قائمة الكتب السياسية التى تبحث فى التاريخ السياسى الاسلامى. وفيه عرض لجوانب من مبادئ الاسلام العامة فيما يتعلق بالدولة الاسلامية مع مقارنات بالفكر السياسى الغربى الحديث مثل الديمقراطية، والتعددية، والأحزاب. ورغم ان الدكتور بروين حاول ان يميز بين خصائص الفكر السياسى الاسلامى والفكر السياسى الغربى الديمقراطى الا انه لم يستطع ان يقدم المثال التاريخى مثلا على (الدولة الشورية) التى عنون الكتاب بشأنها. فمعلوم ان فترة الخلافة العادلة لم تدم طويلا، بل خلالها قتل ثلاثة من روادها وهذا يدل على ان المجتمع الاسلامى لم يتشبع بقيم التسامح وحرمة الدماء رغم وضوح المبادئ الاسلامية فى هذا المجال ... ان المؤلف وهو استاذ جامعي بجامعة اميركية ويدرس العلوم السياسية لو اقتصر فى بحثه على التعددية فى الفكر الاسلامى ومنها تعددية المدارس الفقهية والفلسفية وغيرهما لوجد مادة مهمة تقود الى ان التعددية السياسية والحزبية لها مجالها الأصيل والواسع فى الفكر السياسى الاسلامى، وان لم ترقى الى ما وصلت اليه فى الغرب الحديث بسبب غياب دولة الشورى كما نتحدث عنها الآن متأثرين بانماط الدولة الديمقراطية الغربية الحديثة. وتظل فكرة التعددية وطرحها من جانب كاتب اسلامي ليبي فكرة مهمة خاصة فى هذا الوقت التى تتسع فيه دائرة العمل والاهتمام بمستقبل ديمقراطي اقليميا ووطنيا.

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع