27/09/05


محمود محمد الناكوع

 

الشعب الليبى بدون معلومات ..... فى عصر المعلومات

 

فى الماضى وقبل ان تنتشر وسائل الاعلام الحديثة كان اول سؤال يطلقه الناس فى لقاءاتهم واجتماعاتهم : ماهي آخر الأخبار؟ والآن والعالم يعيش عصر المعلومات، وفى الساعات الاولى وربما الدقائق الاولى من الصباح يبحث الناس عن آخر الأخبار واهم الاحداث والمعلومات من حالة الطقس الى اسعار العملات الى ابرز التطورات المالية والسياسية والثقافية والاجتماعية.

 

ونظرا لأن هذه المعلومات تؤثر تاثيرا مباشرا على حياة الناس ومصالحهم ومستقبلهم فهي ضرورية لهم ومعرفتها تسهل لهم كيفية التعامل مع متطلباتها وما تحتاجه من تصرف عاجل او استعداد لتعامل آجل . بل ان المعلومات كما يذهب كثير من الخبراء تعمل بطرق كثيرة على نمو الوعي المعرفى العام او ما يسمى بالراي العام حول ما  يجرى ويدور فى المجتمع، وكلما زادت كمية المعلومات وتنوعت كلما زاد الوعي المعرفى بحقائق الموضوعات ذات الصلة بتلك المعلومات.

 

فكثافة المعلومات وتنوعها تفتح امام عقل الانسان آفاقا واسعة للتفكير والتأمل والاستنتاج، كما تفتح امامه زوايا محددة للنقد ومعرفة خفايا كثير من الافكار والسياسات التى تدار بها شئون الدولة والمجتمع الذى يعيش فيه ذلك الانسان الذى منحه الله موهبة التفكير وزوده بطاقة الدماغ الذى يجمع بين قدرات التعلم وقدرات التخيل والابداع  وهو بتلك الطاقة يظل دائما شغوفا بالمعلومات وباحثا عنها.

 

ان تدفق المعلومات يعتبر من اولويات حقوق المواطن فى هذا العصر ، واي منع لتدفق المعلومات وبطرق صحيحة وصادقة هو منع لتلك الحقوق وهو انتهاك لحقوق الانسان فى اهم مجال من مجالات الحياة ....

 

ما قيمة وما اهمية وسائل الاعلام من اذاعة وصحف وتلفاز وغيرها اذا لم تنشر المعلومات الصحيحة للمواطنين فى اي بلد من البلدان، وهي وسائل تخصص لها الاموال الكثيرة من خزينة الدولة ..... انها تقوم بدور معاكس اي انها تقوم بدور تزييف الراي العام عندما تنشر المعلومات الكاذبة والتفسيرات والتحليلات المزيفة.

 

وعندما نتحدث عن المثل الليبى نلاحظ فقر وسائل الاعلام الليبية فى مادة المعلومات التى تهم المواطن الليبى فاي متابع لما تنشره الفضائية الليبية من اخبار، وما تعقده من ندوات يلاحظ ندرة المعلومات، وهي سياسة اعلامية تتعمد حجب المعلومات حتى لايعرف الشعب حقيقة ما يدور حوله ، فالمواطن لا يعرف بالارقام دخل ليبياالسنوى، واذا عرف شيئا منه فانه لا يستطيع ان يعرف تفاصيل ابواب المصاريف، واين تذهب بلايين الدولارات، فالتفاصيل هي اهم عنصر فى الحسابات المالية .

 

الشعب الليبى لا يعرف كم هي الأموال التى تصرف على وفود الاتحاد الافريقى ورؤساء الدول الافريقية  الذين لا تتوقف زياراتهم لليبيا، ولا احد يعرف الاموال التى تصرف على مؤسسات الكتاب الأخضر وندوات الكتاب الأخضر، ولايعرف اشياء اخرى كثيرة تنفق عليها الاموال الكثيرة  علنا وسرا دون اية رقابة فعلية، ودون اي احساس بالمسئولية لا تجاه الحاضر ولا تجاه مستقبل الاجيال الجديدة وما ستواجهم من معاناة بسبب تفريط الجيل الذى يحكم الآن.

 

ليس ذلك الفقر فى المعلومات خاص بالفضائية الليبية بل انه فقر وتخلف يشمل كل وسائل الاعلام الاخرى ومنها الاذاعة والصحافة، ولذلك رحب كثيرون بالبيانات والارقام التى تحدث عنها د شكرى غانم امين اللجنة الشعبية العامة قبل نحو شهرين  والتى تناولت دخل ليبيا السنوى من النفط، وتناولت ايضا معدلات دخل الاسرة الليبية وما تؤشر له من تدنى وفقر.

 

هنا تتضح مكامن الاستبداد والفساد والتخلف ، وهنا ايضا تتضح ادلة وشواهد غياب الحرية والديمقراطية ، فلا معلومات فى غياب الاعلام الحر ولا رأي عام بدون صحافة حرة ومستقلة.

 

كيف يمكن لما يسمى بالمؤتمرات الشعبية ان تضع جدول اعمالها السنوى، وان تتخذ قرارات مهمة وهي تفتقر الى المعلومات الصحيحة ؟ وكيف يمكن لمثل هذه المؤتمرات التى لا يحضرها الا عشرات الاشخاص واحيانا مئات الاشخاص، وكثير منهم اميون ( حرفيا او ثقافيا ) ان يتعاملوا مع مشكلات معقده مثل السياسة التعليمية، والخارجية، والقانونية، والنفطية وغيرها ؟ نظرا لتخلف الاعلام الليبى ، فان المواطن الليبى بذكائه الفطري ولحاجته الى المعلومات والتحليلات اتجه الى الخارج، اتجه الى الفضائيات العربية والدولية، واتجه الجيل الجديد الى شبكة الانترنت.

 

الأزمة التى صاحبت السياسة الاعلامية الغوغائية فى ليبيا هي عملية التزييف الذى تقوم به فئة من حملة شهادات الدكتوراه، وبعضهم ينتمون الى مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعية والقانونية، وهي ميادين العلوم الانسانية القادرة على كشف من يحاول استخدامها لتزييف الوعي او العبث بالمصطلحات مهما استخدم من اساليب. وقد شاهدنا عبر الفضائيات العربية، وعبر الفضائية الليبية نماذج من ذلك النوع الذى يمارس الكذب وتزييف الحقائق.

 

فى ضوء واقع الاعلام الرسمى الليبى الذى لا يقدم خدمة اعلامية ايجابية ومفيدة للمواطن الليبى، تظهر الحاجة الى البحث عن اعلام بديل يملأ الفراغ، ومن هنا يأتى دور الاعلام المعارض، ودور الصحافة الحرة والمستقلة .

 

ان عصر المعلومات الذى نعيشه الآن قد يسر سبل التواصل وحطم كل الحواجز، وكشف الكثير من الأسرار والخفايا، واصبح تدفق المعلومات عبر هذه الوسائل اقوى من اجهزة الرقابة ، واقوى من الاجهزة الأمنية الغبية التى تلاحق عشاق الانترنت لتمنعهم من معرفة الحقيقة، ومن التمتع بما اثمره اهل الفكر والعلم والابداع.

 

جميع هذه الظروف وهذه التحولات تفتح افقا واسعا امام المناضلين الليبين فى الداخل والخارج لتصحيح وعي المواطنين، والمساهمة فى تشكيل راي عام صحيح وجديد ينطلق من الايمان بحرية التفكير والتعبير ايمانا قويا، وانه لا حرية بدون اعلام حر يجسد الرأي والرأي الآخر، وتتنوع فيه المدارس الفكرية، والمذاهب السياسية ، والادبية ، والفلسفية فى اطار دولة القانون الذى يحمى الجميع ويتساوى امامه الجميع، وهي الدولة الحلم .

 

فى عصر ثورة الاتصالات انتهى زمن احتكار المعلومات ، وانتهت سطوة النظم الفاشية الاستبدادية ، بل انها تقزمت واصبحت تفقد قدرتها على الحراك والتاثير والاقناع ، وجاءت العولمة بقوتها العلمية والتجارية والعسكرية لتحجم تلك النظم الاستبدادية وتملى عليها شروطها وتحتويها الى ان تسقط بفعل تدافع القوى الاجتماعية السياسية والاقتصادية الجديدة وهذا ما سوف ينطبق على النظام الليبى الذى تبدو معالم شيخوخته واضحة يمكن قراءتها فى التخلف فى كل الميادين، وانهيار المؤسسات الخدمية، وافلاس تجرية المؤتمرات واللجان، وانعدام ثقة الناس فى اي كلام او وعود من السلطة الحاكمة والمسئولة . 

 

تبقى المعلومات الصحيحة، والكلمات الصادقة ، والمواقف الشجاعة النبيلة هي افضل سلاح لدى الانسان ولدى قوى المعارضة ولدى اهل الاعلام، ولا معنى للنضال ولا للمعارضة بدون هذه القيم، وتظل الحكمة حين القول والفعل ميزة وخاصية يؤتيها الله لمن يشاء .

 


libyaalmostakbal@yahoo.com

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع