
إبراهيم عبد العزيز صهّد
أماكن لها
تاريخ
ميدان البلدية والمسجد العتيق في
بنغازي

صورة قديمة لميدان البلدية في مدينة بنغازي، يتصدر الصورة
"المسجد العتيق" بمئذنته وطرازه العثماني، ويعرف المسجد
أيضا باسم " الجامع الكبير"، ويبدو مدخل شارع "سيدي سالم"
تحت القوس بمحاذاة المئذنة ، وإلى اليسار المبنى القديم
لبلدية بنغازي، وإلى اليمين أقواس شارع "عمر المختار"، وفي
المواجهة اصطفت مجموعة من "العربيات" (وسيلة التنقل
الراقية آنذاك) في انتظار من يستأجر.
كان المسجد العتيق أكبر وأهم مسجد في مدينة
بنغازي حتى فترة الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن
الماضي، وقد شهد المسجد أحداثا هامة سواء في المرحلة
السابقة للاستقلال أو في سنوات الاستقلال، فمن على منبره
ألقيت الكلمات التي كانت تنادي باستقلال البلاد وحث
المواطنين على التحلي بالوعي والاتحاد وراء مطلب
الاستقلال، كما شهد المسجد اجتماعات حاشدة استعدادا
للالتقاء بلجنة الأمم المتحدة، وقد استخدمت الشرفة المطلة
على ميدان البلدية بمثابة منصة في الاجتماعات الحاشدة التي
نظمت في ميدان البلدية، ومنها المظاهرة الكبيرة التي نظمت
احتجاجا على تفجير فرنسا لقنبلة ذرية بالصحراء الجزائرية،
والمظاهرات التي نظمت تأييدا للثورة الجزائرية، كما أقيم
من تلك الشرفة سوق خيري كبير عرض فيه للبيع التبرعات
العينية التي قدمها المواطنون دعما للثورة الجزائرية، وكان
"دلّال ذلك السوق الخيري المرحوم المبروك الموهوب بصوته
المجلجل وأسلوبه الفريد.
خلال الخمسينات كان إمام المسجد هو الشيخ
عبد الحفيظ القاضي من حفظة القرآن، كان يؤم المصلين في
الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، كما كان يتناوب في صلاة
التراويح في بعض الأحيان مع الحاج الحسين صهد وكانت
تلاوتهما للقرآن برواية الإمام ورش عن الإمام نافع.
وقد شهد المسجد وصول أول عالمين من علماء
الأزهر هما الشيخ أحمد مسلّم والشيخ عبد الحفيظ ساري، وقد
استقدمتهما إدارة الزوايا السنوسية كنواة لتأسيس المعهد
الديني بالزاوية البيضاء الذي تحول ليصبح فيما بعد "جامعة
السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية". كان الشيخان ساري
ومسلّم يشدان الناس إلى مواعظهما القيمة التي كان يحتشد
لها الناس، وكان صوت الشيخ ساري قويا مجلجلا، وكانت خطبه
تتصف بالحماسة واستخدام القصص للعبرة. وكان القارئ الشيخ
محمود ادهيميش يتلو آيات من القرآن قبل صلاة الجمعة (دون
مكبر للصوت)، وكانت تلاوته –هو الآخر- برواية ورش، والشيخ
ادهيميش كان في ذلك الوقت مدرسا بمدرسة الأمير الابتدائية،
ثم ما لبث أن انتقل للعمل بالديوان الملكي. وبعد الشيخ
ادهيميش شهد المسجد كبار القراء الزوار من أمثال الشيوخ
محمود الصديق المنشاوي، مصطفى إسماعيل، محمود عبد الحكم،
أو القراء المقيمين من أمثال عبد الرسول السيسي، وأحمد
سعيد.
بالمسجد العتيق كانت تقام احتفالات كبيرة
بالمناسبات الإسلامية كان الشيخ عبد الحميد الديباني من
أهم المشاركين الدائمين فيها، وكانت خطبه تتميز برقة
العبارة وهدوء الطرح، وكانت الاحتفالات تختتم عادة بالصلاة
الجماعية على الرسول صلى الله عليه وسلم بصيغة "اللهم صلي
أفضل صلاة على أشرف مخلوقاتك نور الهدى محمد وعلى آله
وصحبه وسلم عدد مخلوقاتك ومداد كلماتك كلما ذكرك وذكره
الذاكرون وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون "وكانت الجموع تردد
هذه الصلاة بطريقة إنشادية تتردد أصداؤها في جنبات المسجد
بوقع ترتجف له القلوب.
للمسجد العتيق ثلاث مداخل كلها من ناحية
ميدان البلية، الباب المجاور للمئذنة، يصلك إلى باحة
مفتوحة تطل من ناحية اليسار على شارع سيدي سالم من خلال
حديقة صغيرة يحدها شباك حديدي، أما على اليمين فيوجد الباب
المؤدي إلى صحن المسجد، وتقع "المواضي" في نهاية تلك
الباحة، وقد ألغيت هذه الباحة المفتوحة (للأسف الشديد) وتم
ضمها إلى صحن المسجد وأصبحت هي الأخرى مغطاة، كان المؤذنون
يقفون في تلك الباحة للأذان، وكان الأذان يرفع ثلاث مرات
بعد جلوس الإمام على المنبر يوم الجمعة، اثنان من تلك
الباحة أما الأذان الثالث ففي داخل المسجد، وكان يعقب
الأذان الثالث قراءة الحديث "من قال لصاحبه والإمام يخطب
يوم الجمعة أنصت فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له"، أما خطيب
الجمعة فكان يمسك في يده عصا طويلة مصنوعة من نفس خشب
المنبر وبنفس اللون، وكانت معظم الخطب مكتوبة.
حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كان
المسجد مفروشا بالحصران، وكانت فواتير الإضاءة والمياه
يقوم بدفعها آنذاك الحاج مبارك السوسي، ثم فرش المسجد
بالسجاد وتولت الأوقاف الإنفاق الكامل على المسجد. ولم يكن
المسجد العتيق هو أول المساجد في إدخال مكبرات الصوت في
الأذان والخطب، أما أول المساجد في مدينة بنغازي استخداما
لمكبرات الصوت فهو المسجد الذي بناه أحد المواطنين بالقرب
من محطة العيساوي بالبركة بمواجهة ملعب 24 ديسمبر، وسمي
ذلك المسجد باسم مسجد العيساوي.
يوم العيد كان المسجد يضيق بالمصلين، يمتلئ
الصحن والباحة الخارجية ويفترش المصلون جزءا من ميدان
البلدية، ويتردد التسبيح والتكبير: سبحان الله، والحمد
لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر، ، الله أكبر, ، الله
أكبر، ولله الحمد"...وبعد وصول الشيوخ المصريين تغيرت صيغة
التكبير في العيدين إلى : "الله أكبر كبيرا والحمد لله
كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ..............."
كان المسجد العتيق، مكانا له تاريخ ..
وذكريات .. أمه للصلاة أعداد لا يعلمها إلا الله سبحانه
وتعالى، كثيرون منهم غادروا هذه الحياة ... وتركوا وراءهم
عملا صالحا يشهد لهم به المسجد العتيق .. تداول على محرابه
أئمة كثيرون .. ووقف على منبره عديد من الخطباء .. صليت
فيه مئات ألوف الصلوات .. وتليت بين جدرانه سور القرآن
الكريم .. ذرفت فيه العبرات .. ووجلت الأفئدة .. وارتفعت
الأكف مبتهلة إلى الخالق .. وتحت قبة المسجد العتيق اختلط
عبق التاريخ، وعطر الذكريات، ونسمات الماضي حيث كانت
الحياة بسيطة وحلوة رغم الفقر، وتوالت الأجيال تحت القبة
المهيبة تحمل شعلة الإيمان والتوحيد والعبودية الخالصة
لوجه الله.
وإلى لقاء آخر إن شاء الله مع أماكن لها
تاريخ
|