|
|
|
لماذا لا يحفظ بعضهم من
الشرع إلا للذكر مثل حظ الأنثيين؟ *
ليلى الأحدب
القضية التي ناقشتها صحيفة
الوطن في الأسبوع الماضي حول حرمان المرأة من الميراث لدى بعض القبائل
في المملكة العربية السعودية, ليست خاصة بتلك القبائل في الواقع, وليست
مقتصرة على المملكة, بل هي عادة موجودة في كثير من البيئات في
المجتمعات العربية والمسلمة الأخرى, مثلها في ذلك مثل أي ممارسة جاهلية
يقع وِزرها على الأنثى.
وإذا كانت هذه الحالة السيئة
سارية المفعول في كثير من بلداننا العربية والمسلمة, فإن الحالة الأكثر
انتشاراً منها هي عندما لا يعترف الأخ بواجباته تجاه أخته, لاسيما في
حال غياب الأب أو وفاته, وهي الحالة التي تحيل إليه الولاية الشرعية
عليها في أمر الزواج تحديداً, وقد ذكرت في كثير من المقالات السابقة أن
الولاية على المرأة في الأمور الأخرى لا تصحّ بعد وصولها إلى سن الرشد,
مثلها في ذلك مثل الذكر, فالولاية يجب أن تبقى محدودة بالقاصر أو بمن
ثبت عليه السفه في تصريف أمواله سواء كان ذكراً أو أنثى.
أعتقد أن كثيراً من المشكلات
الاجتماعية التي نواجهها - نحن العرب والمسلمون - تعود في جذورها إلى
أسباب إما ثقافية أو تربوية, وبالأحرى فإن هذه الأسباب هي مزيج من
الثقافة والتربية, وجدلية الثقافة والتربية ما هي إلا كجدلية الدجاجة
والبيضة.
تغلب على الثقافة العربية
النظرة الدونية للأنثى وهي نظرة ممتدة في تاريخ الجاهلية قبل الإسلام,
حيث كانت المرأة تُورَّث كما يورث المتاع, وقد كان الجاهليون لا
يورِّثون إلا من قاتل على ظهور الخيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف،
وحاز الغنيمة كما ذكر القرطبي في تفسيره؛ وتعاضد مع هذا الإرث الجاهلي
تداخل الثقافات وامتزاج أهل الديانات الأخرى مع المسلمين بعد الفتوح
الإسلامية, مما أعاد وضع المرأة بسهولة إلى ما كانت عليه قبل الإسلام,
ويسهل استنتاج ذلك إذا تذكرنا أن الأنثى في الديانات الأخرى لم يكن لها
أي نصيب في الميراث.
الدين هو أحد مكونات الثقافة,
ولكن الدين بريء من الفهم الخاطئ الذي يشوِّه تكوين المجتمع, وفي
غالبية المجتمعات العربية ما زالت تسود مفاهيم مفادها أن للذكر مثل حظ
الأنثيين في كل شيء وليس في الإرث فحسب, وهو الأمر الذي أدى إلى تسلط
الذكر على الأنثى, ويمكن لنا أن نرى انعكاسات هذا الأمر في الأسرة
العربية بسهولة.
يأتيني كثير من المشكلات من
فتيات - سعوديات وغير سعوديات - يتساءلن عن سبب تفضيل أهاليهن لإخوانهن
الذكور, وأكثر من يتحمل مسؤولية هذه التربية الأبوان, وللأم - مع الأسف
- دور كبير في تفضيل الذكر على أخته, والجملة الاعتراضية "مع الأسف"
أقصد بها أن بإمكان الأم أن تتحمل مسؤولياتها التربوية أكثر من الأب,
خاصة عندما تكون متفرغة للبيت, كي لا يتكرر الظلم الذي وقع عليها
سابقاً على ابنتها لاحقاً.
يغيب عن بال الوالدين معاً
أن هذا الجيل ليس خاضعاً كالأجيال السابقة بل كل ما حوله يحثّه على
التمرد على السلطة الأبوية, من الصديقات والزميلات إلى المسلسلات
والأفلام, فأما تمرد الفتى فهو واضح للعيان وعادي ومقبول اجتماعيا,
مهما كانت عواقب هذا التمرد سيئة؛ على عكس تمرد الفتاة الذي يمر بشكل
خفي حتى يظهر فجأة بهروب الفتاة من البيت لإحساسها بالظلم والغبن, أو
بدخول الفتاة بمرحلة اكتئابية تظهر بشكل انسحابي؛ وقد يكون تمرداً
ملموساً بعدائية الفتاة بحيث يتحول البيت إلى ساحة معركة, إن لم تكن
بين الأخ وأخته فهي بين الأم والابنة؛ وقد تقوم الفتاة باختيارات خاطئة
لتنهي هذا الوضع المجحف؛ بقبولها بأول طارق للباب من أجل خطبتها,
وكثيراً ما يكون الأوان قد فات لإصلاح هذه النفسية المشوهة والتي وصلت
إلى مراحل شديدة من التقييم السلبي للذات وعدم القدرة على التعامل مع
الواقع إلا بعد معالجات نفسية مكثفة؛ وإلا فإن نهاية زواج كهذا هي
الطلاق بما يعنيه من عودة مدمرة لنفسية الفتاة كلياً.
قد يظن بعض القراء أن ثمة
مبالغة في توصيف الأمور, لكن من يتابع الأحداث اليومية يجد أن هذه
الحالات تتكرر كل يوم, وليس من الضروري أن يكون رد الفعل دائماً
مساوياً للفعل نفسه, لأن النفس البشرية لا تخضع لقوانين الرياضيات,
فهناك بعض الأشخاص - ًذكوراً وإناثاً - ذوو نفوس هشة لا تستطيع تحمل
الضغط, فلا تكون النهاية إلا بالانفجار, كما أن القدرة على التحمل تضعف
دائماً مع الوقت إلا من رحم الله.
في الحقيقة إذا تأملنا وضع
المرأة العربية في بعض البيئات اليوم فلن نراها أفضل من وضع المرأة في
الجاهلية بكثير, وتسلط الأخ على أخته حالة متعارف عليها اجتماعياً,
وليس فقط الأب على ابنته أو الزوج على زوجته, وتبرَّر بقوامة الذكر على
الأنثى, مع أن هذه القوامة مرتبطة بالزوج على زوجته, وهذا الغلط ليس
ثقافياًَ فحسب ولا تربوياً فقط, بل هو فكري أيضاً؛ على سبيل المثال في
كتاب لمفكرات أمريكيات مسلمات خصّصت إحداهن كلامها عن موضوع القوامة,
ومع أنها تدافع عن حق المرأة فإنها ربطت آية القوامة في سورة النساء
بالآية التي قبلها والتي تخص الميراث, فاستنتجت أن قوامة الأخ على أخته
هي أمر شرعي, ولكنها لاغية في هذا العصر, بسبب عدم إنفاق الأخ على
أخته, وكان من واجب الباحثة أن تدقّق أكثر, وترى أن آية القوامة نفسها
تنتهي بما يدل على أنها خاصة بالزوج على زوجته كما أشرت إلى ذلك في
مقالات سابقة, بسبب عبارة (واهجروهن في المضاجع), وهي لا تصح إلا بين
الزوجين.
الأمر الذي يلفت النظر في
البيئات التي تميز بين الذكر والأنثى في كل شيء, أن الفتى تتم تنشئته
على أنانية شديدة, بحيث لا يفكر إلا في رغبات نفسه, وكأن كل من حوله من
الإناث خدم له بمن فيهن والدته نفسها أحياناً, وعندما يتزوج فإنه يحمل
هذه المفاهيم المغلوطة إلى بيته الجديد, فإذا كانت زوجته من بيئة تعامل
فيها النساء باحترام فإنها لا يمكن أن تتقبل معاملته السيئة لها, ومن
هنا تأتي المشكلات بين الزوجين ليس فقط نتيجة لاختلاف الطباع, ولا بسبب
اختلاف المجتمعات, بل لاختلاف البيئات في المجتمع الواحد.
لكن إذا استطاعت تلك الزوجة
أن تملك لباب عقله, وهي حالات موجودة وإن كانت نادرة, فإنه سوف يتوجها
ملكة على قلبه, لكن على حساب أخواته ووالدته, وتدب الغيرة في قلوب
الأخوات غالباً؛ اللواتي يزعجهن أكثر ما يزعجهن تحول ذلك الأخ المتسلط
عليهن إلى خادم مطيع لزوجته, والعبارة الدارجة في كل المجتمعات العربية
هي وصفه بأنه (خاتم في إصبع زوجته).
قليلون جداً هم أولئك الرجال
الذين يستطيعون الموازنة بين حقوق الأمهات والأخوات من جهة وبين حقوق
الزوجات من جهة أخرى, وإذا كان الرجل الذي يقدّر زوجته ويحترمها عملة
نادرة فإن العملة الأكثر ندرة منها هو الأخ الذي يحترم أخته ويحافظ على
حقوقها في الإرث وغيره, لأن الشكل الأكثر شيوعاً ليس هو حرمانها من
الإرث فقط, بل فقدانها الشعور بأن لها أخاً تعوّل على أخلاقه وضميره
ليساعدها في أزماتها.
الصورة الأكثر شيوعاً للأخ
في مجتمعاتنا العربية ليست عن ذلك الأخ الذي يحرم أخته من ميراثها, بل
عن ذلك الأخ الذي لا يتعرّف على أخته إلا عند الميراث ليخبرها أنه يحقّ
له ضعف ما يحقّ لها, وإذا كان من واجبنا جميعاً أن نقر بشرع الله ونخضع
له فإن السؤال الذي يوجّه لأمثال ذلك الأخ: أليست صلة الرحم من الشرع؟
أو ليست الأخت من أحق الناس بحسن الصحبة بعد الأم والأب؟! ولماذا لا
يحفظ بعضهم من الشرع إلا ما يحافظ به على مصلحته المادية فقط؟
* نقلاً عن
صحيفة "الوطن" السعودية
|
|