أشاع تصريح السفير
الإسرائيلي في أنقرة، غابي ليفي، أن مفاوضات سلام على مراحل،
بين إسرائيل وسورية بوساطة تركية، قد تبدأ قريبا، جوا من
الترقب والتكهنات في الشرق الأوسط وتناقلته وسائل الأعلام
بلهفة على نطاق واسع. وكان ليفي قد أضاف في تصريحه أمس أن
"المرحلة الأولى سيتولاها موظفون عاديون وتكنوقراط" مضيفا
"في حال سارت الأمور في الاتجاه الصحيح وأفضت إلى نتيجة
يمكننا أن نتوقع أن تتواصل المباحثات على مستوى أعلى بكثير".
نتانياهو يعارض بشدة
ليست هذه المرة
الأولى التي يتفاوض فيها البلدان من أجل إحلال السلام
بينهما، فقد سبق لهما خوض غمارها، قبل أن تعلق المفاوضات عام
2000، بعد تفجر انتفاضة الأقصى، وبالرغم من أن دمشق تقلل من
أهمية هذه الأخبار والتصريحات، إلا أن الباب الذي كان موصدا،
أصبح مواربا بعد زيارة رئيس وزراء تركيا، رجب الطيب أردوغان
إلى دمشق الأسبوع الماضي، حيث صرح بعد عودته إلى أنقرة، أنه
سيوفد مبعوثا إلى إسرائيل لمواصلة الوساطة بين البلدين.
وبالرغم من إعلان
رئيس الحكومة الإسرائيلية، أيهود أولمرت أنه على استعداد
لإعادة الجولان كاملة إلى سورية، إلا أن ما يقوله لا يؤيده
معظم الإسرائيليين، حيث تشير الاستطلاعات إلى أن ثلتي
الإسرائيليين لا يوافقون على إعادة الجولان كاملة، وهو سبب
تعثر المفاوضات السابقة بين البلدين، حيث ترغب إسرائيل في
الاحتفاظ بجزء من بحيرة طبرية، وهو ما رفضه الرئيس الراحل
حافظ الأسد، قائلا للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، أنه
سينتظر، ولكن زعيم المعارضة الإسرائيلية، وزعيم حزب الليكود،
بنيامين نتانياهو لم ينتظر بداية المفاوضات ليعلن رفضه لها،
حيث هاجم أيهود أولمرت بشدة في لقاء مع إذاعة الجيش
الإسرائيلي بسبب " استعداده لإعادة مرتفعات الجولان حتى قبل
بدء مفاوضات السلام". ليس نتانياهو وحده هذه المرة، فقد انضم
إليه رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكينست، تساحي هنجبي،
الذي يرفض بدء المفاوضات مع سورية بالتنازل عن كل الجولان،
ورأى في تصريحات نقلتها الإذاعة الإسرائيلية أنه:" حتى إذا
بدأت المفاوضات بالفعل فإنها لن تحقق نتائج ملموسة خلال
الفترة القريبة ولذلك يستطيع الإسرائيليون التعبير عن موقفهم
إزاء هذا الموضوع خلال حملة الانتخابات القادمة". بينما يرى
وزير الخارجية السابق سيلفان شالوم أن:" إضفاء صبغة الشرعية
على دمشق سيكون بمثابة مكافأة كبيرة للجهات المتطرفة".
رعاية أمريكية للمفاوضات!
وفي حديث لصحيفة
الوطن القطرية، أكد الرئيس السوري بشار الأسد وجود وساطة
تركية بين بلاده وإسرائيل، مشددا أن هذا النوع من المفاوضات
يحتاج إلى راع، لا يمكن أن يكون (مع الأسف) سوى الولايات
المتحدة، مؤكدا في نفس الوقت أن الإدارة الأمريكية الحالية
"لا تملك لا رؤية ولا إرادة لعملية السلام". واستبعد الأسد
بشكل قاطع إجراء مفاوضات سرية أو مباشرة مع إسرائيل، مؤكدا
أن اللقاءات ستتم فقط مع الوسيط التركي. كما قال الأسد أنه
يعتزم القيام بجولة عربية قد تشمل الرياض والقاهرة بصفته
رئيسا للقمة العربية، مؤكدا أنه لا توجد أي مشاكل بين دمشق
وكلا من الرياض والقاهرة، وأن هناك سؤ فهم من العاصمتين
للموقف السوري، وكانت العلاقات قد تأزمت بين سورية، وكلا من
السعودية ومصر بسبب موقف سورية من الأزمة اللبنانية، لدرجة
أن الرياض والقاهرة أوفدتا أكثر الوفود انخفاضا إلى مؤتمر
القمة العربية في دمشق.
أرضية مشتركة
يرجح أن يكون كبير
مستشاري رئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أوغلو، هو الوسيط
التركي بين سورية وإسرائيل، وكان أوغلو قد رافق أردوغان في
زيارته الأخيرة إلى دمشق، والذي يتوقع قريبا وصوله إلى
إسرائيل، لنقل الجواب السوري إلى أيهود أولمرت، ويسعى أوغلو
إلى إيجاد " أرضية مشتركة" بين البلدين، تؤدي إلى إجراء
"مفاوضات علنية مباشرة بين الطرفين"، وذلك بعد أن يتضح
التعهد الإسرائيلي بإعادة كامل هضبة الجولان إلى سورية،
وأيضا بحضور أمريكي فاعل، وهو ما قد لا يكون متوفرا في عهد
إدارة الرئيس جورج بوش، التي يخشى أن ترفع الفيتو في وجه
التقارب السوري الإسرائيلي.
سيناريوهات محتملة
ويرى كثير من
المراقبين أن ما كشفت عنه الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي،
بخصوص الغارة الإسرائيلية على موقع في شمال سورية في شهر
سبتمبر الماضي، يعبر عن غضب واشنطن من هذه الأنباء، حيث أن
اتهام سورية بمحاولة بناء مفاعل نووي بمساعدة من كوريا
الشمالية، يضعها في نفس الخانة مع حليفتها إيران، ويبدو أن
الرؤية الاستراتيجية لكلا من إسرائيل والولايات المتحدة قد
اختلفت للمرة الأولى منذ إنشاء إسرائيل قبل 60 عاما.
فإسرائيل لا ترى الخطر الإيراني داهما، كما تراه الولايات
المتحدة، وتخشى إسرائيل إذا حدثت مواجهة عسكرية مع إيران من
حلفاء إيران في المنطقة، أكثر من إيران نفسها، وكانت
المواجهة مع حزب الله في صيف 2006 قد كشفت عن إمكانية هزيمة
إسرائيل عسكريا، وبعد سنوات من الانتفاضة الفلسطينية تبدو
إسرائيل أضعف من أي يوم خلال الستين عاما الماضية، وفي
المناورات العسكرية التي أجرتها خلال الشهر الجاري، وهي أضخم
مناورة في تاريخها، تركزت التدريبات على أسوأ سيناريو يمكن
أن يحدث، وهو وصول صواريخ حزب الله إلى مدينة تل أبيب، لذلك
لابد أن يتساءل المخططون في إسرائيل، عن السيناريو الذي تكون
فيه سورية طرفا في المواجهة إلى جانب حزب الله، والذي يرى
كما هو واضح من مبادرة أولمرت، أن إخراج سورية من المواجهة
بامكانه إلغاء هذا السيناريو، والذي يعني قطع الإمدادات عن
حزب الله، وأيضا إعادة لبنان إلى طبيعته، والذي يعني أيضا
تجريد حزب الله من أسلحته.
ثمة من يقول أن
الولايات المتحدة تتفق مع إسرائيل، وأن الموقف الأمريكي
الحالي هو مجرد محاولة لإجبار سورية على الانخراط في
المفاوضات، أو على الأقل دفعها إلى عدم رفع سقف توقعاتها
ومطالبها، والتي لن تكون فقط الجولان، وإنما إلغاء المحكمة
الدولية الخاصة بالحريري، أو على الأقل استبعاد عائلة الرئيس
من المحاكمة، أما الآخرون فيمكن التضحية بهم، مثلما ستترك
إيران وحيدة في مواجهة الولايات المتحدة، إسرائيل، العرب،
والغرب مجتمعا.
عن موقع (إذاعة
هولندا العالمية) - 28/04/2008
|