28/06/2008

الإتحاد المتوسطي: خلافات وسباق مع الزمن
تقرير: عبد العالي رقاد (إذاعة هولندا العالمية)

 

أعضاء الاتحاد المتوسطي في مشروع ساركوزي:
البلدان المطلة علي البحر (اللون الأزرق)
بقية بلدان الاتحاد الأوروبي (اللون الرصاصي)

 

 

 

بدت قمة الإتحاد المتوسطي التي عقدت في ليبيا مؤخرا سببا مباشرا في "تهافت المسئولين الفرنسيين على بلدان المغرب العربي ذهابا وإيابا في محاولة لإنقاذ مشروع فرنسا في المنطقة والذي يواجه تحفظات بعض أطراف الضفة الجنوبية.و لم يكن يتوقع الرئيس نيكولا ساركوزي "أن تكون الخلافات بهذه الحدة" وإن تطلب الأمر فسينتقل الرئيس شخصيا إلى الجزائر وطرابلس لإقناع الزعماء بحضور حفل التأسيس المقرر عشية عيد استقلال فرنسا الشهر المقبل، ونقلت صحيفة "لوباريزيان" الصادرة أمس بأن نيكولا ساركوزي قد يزور الجزائر خلال أيام من أجل إقناع الطرف الجزائري بحضور القمة التي المؤسسة لقيام الإتحاد المتوسطي في باريس يوم الثالث عشر من يوليو تموز القادم. وكان الوزير الأول الفرنسي فراسوا فيلو زار الجزائر وفشل في الحصول على موافقة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على القمة وقبله وزير الخارجية برنارد كوشنير الذي"غادر غاضبا" من الشروط التعجيزية التي وضعها الجزائريون للمشاركة.
 
تحفظ ليبي جزائري
 
وكان خطاب الرئيس الليبي معمر القذافي في القمة العربية المصغرة مؤخرا قد زرع الشكوك في نوايا فرنسا من وراء المشروع وأعتبرها "إهانة للعرب والأفارقة " وزار كلود غيان مبعوث الرئيس الفرنسي طرابلس أمس من أجل نفس الهدف وهو محاولة إقناع الليبيين الذين رأوا أن الإتحاد المتوسطي سيكون سببا في تمزيق الانتماء العربي والإفريقي لدول شمال إفريقيا، فيما طلبت دول أخرى مثل الجزائر توضيحات من فرنسا حول مشاركة إسرائيل والموقف من النزاع حول الصحراء الغربية ومازال الغموض يلف حضور بوتفليقة إلى باريس للقمة التأسيسية لكنه مرهون بالإجابة الفرنسية حول التحفظات الجزائرية التي سيتم الرد عليها خلال المنتدى الوزاري المتوسطي (فورماد) الذي سينعقد في الخامس والسادس من شهر يوليو أي أسبوعا قبل قمة الإتحاد المتوسطي.
 
ويذكر أن إسرائيل احتجت بشدة عن الموقف الليبي والجزائري بالخصوص من مشاركتها في الإتحاد إذ أرسلت الجزائر إلى الأطراف العربية بمساءلة حول تداعيات وجود إسرائيل في الإتحاد ورفضها أن يكون هذا الأخير بوابة للتطبيع مع "الدولة العبرية".وعلقت صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية الأسبوع الماضي بأن "الموقف الجزائري متطرف في التعامل مع إسرائيل..وأن الجزائريين لن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم".
 
وأشارت مصادر مطلعة في فرنسا أن كثيرا من الخلافات بين دول الضفة الجنوبية للمتوسط تكون وراء "الحج المتواصل" للمسئولين الفرنسيين إلى دول العربية المعنية، و قالت نفس المصادر أن الأمانة العامة للمتوسط "لن تكون في تونس كما قرر لها من قبل استجابة إلى مطلب مصري ليبي وجزائري مشترك، ولذلك تقرر أن يكون مقرها في بروكسيل.
 
وتتكون رئاسة الإتحاد المتوسطي من أمينين عامين، واحد من دول الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، ربما يكون قد حسم لصالح الرئيس المصري حسني مبارك، والثاني للدول الأوربية المطلة على المتوسط ويشغله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. ويريد هذا الأخير أن تدوم رئاسة الإتحاد لمدة سنتين فيما تريد المفوضية الأوربية حصرها في فترة لا تتجاوز الستة أشهر. وقالت نفس المصادر أن السفير المغربي محمد عمراني هو أكثر الشخصيات حظوظا لرئاسة الأمانة العامة للإتحاد المتوسطي وهو أحد الخبراء والمختصين في الملفات الأوربية في الخارجية المغربية.
 
وقال رافائيل لويجي في تعليقه في صحيفة لوموند بأن فشل أقامة الاتحاد المتوسطي سيعني ليس فقط إفشالا لمبادرة نيكولا ساركوزي ولكنه أيضا سيكون رفضا للعودة إلى مسار برشلونة الذي انطلق عام 1995، والذي ربط الإتحاد الأوربي بخمس دول من جنوب البحر الأبيض المتوسط، وأضاف الكاتب "يمكن التفكير بمنطق المساعدة في حل مشاكل دول الجنوب وجعل الضفة الجنوبية للمتوسط محيطا آمنا ومستقرا لتأمين استقرار أوربا في المستقبل".
 
مسار برشلونة الأعرج
 
وينظر مراقبون إلى أن مشروع الإتحاد المتوسطي يختلف عن مسار برشلونة المذكور كونه يرفع سقف العلاقات بين الدول إلى مستوى العلاقات السائدة بين دول الإتحاد الأوربي بالإضافة إلى كونه إتحادا وليس شراكة كما كان عليه مسار برشلونة.
 
ومن أهم النقاط الأساسية في برنامج الإتحاد المزمع إنشاؤه، صياغة مفهوم ثنائي للإرهاب وعدم ربطه بطرف واحد وهو في هذه الحالة الدول الواقعة في جنوب البحر الأبيض المتوسط ثم ترقية المصالح المشتركة بين دول الكتلتين في إطار حوض متوسطي آمن ومستقر، تتم فيه مكافحة الإرهاب والهجرة الشرعية من خلال التنسيق والعمل الموحد.
 
وكانت علاقة الشراكة بين دول جنوب المتوسط وشماله من دول الإتحاد الأوربي مجسدة في مسار برشلونة لم تؤد إلى ما كان يرغب فيه الأوربيون، ويتحمل الطرف الأوربي الكثير من مسؤولية الفشل في ذلك، وقد نجحت دول أوربا الشرقية في تحسين أوضاعها وإصلاح اقتصادياتها ووضع حقوق الإنسان فيها وحصلت دول أوربا الشرقية على تمويلات أكبر من طرف البنك الدولي كان يفترض أن تحصل عليها دول جنوب المتوسط لكن لم يتم ذلك بسبب طبيعة العلاقات التي يحكمها مسار برشلونة بين الدول المكونة للإتحاد.
 
ومن ناحية أخرى كان الإتحاد الأوربي وإلى وقت قصير يخلط بين مفهوم الإرهاب والمقاومة في الشرق الأوسط وهي من أهم النقاط التي تثير "حساسية" دول جنوب المتوسط العربية، كما أن فرنسا والإتحاد الأوربي من وراءها لم يتدخلوا إلا بعد شهر من اندلاع الحرب الأخيرة في لبنان بالرغم من أن لبنان دولة متوسطية ويعرف الجميع أن لبنان غير قادر على حماية نفسه ما لم تتحرك المجموعة الدولية. ولهذه الأسباب ما تزال الشكوك تحوم حول نجاح قمة الإتحاد المتوسطي المقررة بعد أسبوعين من الآن في باريس أي في الثالث عشر من يوليو تموز المقبل.
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 27/06/2008
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com