يبدو أن الطبيب
الفلسطيني أشرف الحجوج قد تعرض لضغوط رسمية هولندية بهدف
منعه من تقديم شكوى ضدّ ليبيا. حاول الطبيب الذي ظلّ رهن
الاعتقال طوال ثماني سنوات في ليبيا، بصحبة خمس ممرضات
بلغاريات، أن يقدّم شكوى لدى الأمم المتحدة. لكن جهات معينة
أخبرته أن هذا الإجراء يمكن أن يعرض حياة أشخاص آخرين للخطر.
حـُكم على أشرف
الحجوج، والممرضات الخمس، مرتين بالإعدام، بتهمة تعمد إصابة
أطفال ليبيين بفيروس نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، بالرغم
من تأكيدات خبراء عالميين باستحالة هذا الأمر. حين أطلق سراح
المعتقلين الستة في الصيف الماضي تساءل كثيرون عن طبيعة
الوعود التي قدمها المفاوضون الأوربيون مقابل الإفراج عنهم.
ضغوط غير مشروعة
ترجـّح ليزبيت
زخفيلد، محامية الحجوج الهولندية، وجود تعهدات بعدم رفع أي
شكوى ضدّ ليبيا من الجانب الأوربي في هذه القضية. لكن هذا لا
يبرر- من وجهة نظرها- ممارسة الضغوط على موكلها. تقول
المحامية زخفيلد إن الحق في طلب تعويضات بعد كل هذه المعاناة
القاسية التي مرّ بها الحجوج في ليبيا يشكل "نقطة جوهرية في
منظومة حقوق الإنسان"، وتوضح بالقول "إذا كنا نريد الحفاظ
على مبادئ حقوق الإنسان، فيجب أن تتاح له الإمكانية"
للمطالبة بحقوقه.
بدلاً من ذلك
مارست وزارة الخارجية الهولندية الضغوط على أشرف الحجوج
أثناء لقاء له بالمسئولين هناك، بعد إطلاق سراحه بأيام قليلة
فقط. ترى المحامية زخفيلد، أن هذه الضغوط غير مشروعة. بهذه
الطريقة تم تحميل الحجوج مسئولية الحفاظ على حياة الآخرين
وسلامتهم، بدلاً من أن تتحمل ليبيا، والدول الأوربية تلك
المسئولية. إضافة إلى ذلك فإن الحجوج كان يعاني بشدة من آثار
المعاناة الطويلة التي عاشها، وكان من القسوة أن يتعرض لضغوط
أخرى عقب إطلاق سراحه بوقت قصير، وفقاً للمحامية.
تنازلات مهمة
يتعلق التحذير
بعدد من الممرضات البلغاريات اللاتي ما زلن يعملن في ليبيا،
حتى بعد قضية "الإيدز" المثيرة. تعمل هؤلاء الممرضات في إطار
اتفاق بين ليبيا وبلغاريا للتعاون الطبي يعود إلى عهد الحكم
الشيوعي في بلغاريا.
لكن الخبير
بالشؤون الليبية جورج جوف، الذي كان أحد الخبراء الشهود
أثناء المحاكمات، يشك بوجود مخاطر جدية على حياة أولئك
الممرضات. يعتقد جوف أن الزعيم الليبي معمر القذافي اذكى من
أن يرتكب خطأ استراتيجياً كهذا، بعد كل الجهود المضنية التي
بذلها لتحسين سمعة نظامه على المستوى الدولي:
"لقد ظلّ الليبيون
مصرين على أن المحاكمة التي أجروها كانت عادلة. ولم يكن
بالإمكان حل الأزمة دون تقديم تنازلات مهمة لإرضاء الحساسية
الليبية. أصرّ الليبيون على أن يتم التعامل بجدية مع نظامهم
القضائي. إذا استهدفت السلطات الليبية مجدداً ممرضات
بلغاريات، فلن يبقى شيء من المصداقية في تلك المزاعم."
ابتزاز عاطفي
لكن الحجوج نفسه
يعتقد أن هناك عوامل أخرى لها دورها. تبذل أوربا حالياً
الكثير من الجهود لبناء علاقات سياسية واقتصادية متينة مع
ليبيا. يعلق الخبير جورج جوف على ذلك بتأكيد أن الشخص البعيد
عن عالم العلاقات الدبلوماسية والذي يمكن أن يعرقل تلك
الجهود، لن يكون مرحباً به بالطبع: "لا تميل الحكومات عادة
إلى دعم شكاوى يقدمها أفراد وتتعلق بسلوك دول أخرى. شكاوى من
هذا النوع تعيق الجهود الدبلوماسية وتضع العراقيل أمام
المفاوضات الرسمية. لا أحد في الأوساط الحكومية يرغب بذلك."
تتساءل المحامية
زخفيلد أيضاً ما إذا كانت الحكومات مهتمة بالفعل بمصير
الممرضات الليبيات اللاتي ما زلن يعملن في ليبيا، ولا تستبعد
أن الحكومة تستخدم هذه الحجة، بسبب تأثيرها العاطفي على
الحجوج. ابتزاز عاطفي إذن. من جانب آخر تنقل المحامية عن
موكلها الحجوج إنه يواجه الكثير من العراقيل المتعمدة في
محاولاته الاندماج في بلغاريا، التي يعيش فيها إطلاق سراحه،
بهدف ثنيه عن خططه لتقديم شكوى في الأمم المتحدة.
بالرغم من كل ذلك
فإن المحامية متأكدة تماماً من شيء واحد: ستكون هناك شكوى
دولية في المستقبل القريب.