29/11/2007

الموريتانيون الأفارقة لا يريدون الانتقام من مواطنيهم العرب
تقرير: معروف ولد أداع ـ نواكشوط ـ موريتانيا (إذاعة هولندا العالمية)

أكد اللاجئون الموريتانيون في السنغال ومالي عدم نيتهم في الانتقام من "البيظان" (العرب و الأمازيغ في موريتانيا) رغم آلام الماضي على إثر الأحداث التي أدت في العام 1989 إلى نهب ممتلكاتهم وطردهم خارج البلاد. وقال ممثلو اللاجئين أثناء مؤتمر صحفي في نواكشوط بعد انتهاء الأيام التشاورية: "نحن الآن مرتاحون ونعتقد أن طريق المصالحة صار سالكا من أجل التوصل إلى حل نهائي لهذه الأزمة الإنسانية.
 
الإرث الانسانسي
 
كانت العاصمة الموريتانية نواكشوط احتضنت من 20 إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) أياما تشاورية حول عودة المبعدين إلى السنغال ومالي من الموريتانيين من اصل إفريقي (الزنوج) وتسوية إرث المعاناة الانسانية وهم الاسم الذي يطلق هنا على عمليات الاغتيال والتشريد بحق (الزنوج) ـ خاصة العسكريين والناشطين الحقوقيين ـ أثناء حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع. أما المبعدون فهم ضحايا العنف العرقي الذي حصل في نيسان (أبريل) 1989 على إثر حادث حدودي بين عسكريين موريتانيين ومزارعين سنغاليين.
 
وبين ممثلو اللاجئين أثناء المؤتمر الصحفي أن التوصيات المنبثقة من الأيام التشاورية "إذا وضعت قيد التنفيذ، ستمكن من تسوية هذا الملف الذي سمم مناخ التعايش السلمي في موريتانيا خلال زهاء عقدين من الزمن". وقالت "لاله عائشة سي"، وهي عضو بعثة ممثلي اللاجئين، إن الأيام التشاورية تمثل "مرحلة هامة على الطريق المؤدي إلى الوحدة الوطنية وإلى طي صفحة الماضي الأليم".
 
من جهته، أعرب الناطق باسم اللاجئين، "حاميدو وان"، عن ارتياحه العميق هو ورفاقه لنتائج هذا اللقاء وشكرهم "لرئيس الجمهورية، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، ليس فقط لاعترافه بوجود هذا المشكل وإنما أيضا لتصميمه على حله". وأكد السيد "وان" استعداد اللاجئين للتعاون مع الحكومة من أجل تطبيق توصيات الأيام التشاورية.
 
وبدورها أوضحت السيدة "ميمونة ألفا"، ممثلة "أرامل ويتامى العسكريين ضحايا أخطاء 1989"، أن اعتراف السلطات الجديدة بمشكل اللاجئين والإرث الإنساني وتعهدها بتسويته قوبل بالارتياح من أسر الضحايا وفتح أمامها طريق الأمل بعد 18 عاما من المعاناة. وذكرت بأن النظام السابق ظل مصرا على رفض الاعتراف بهذه القضية.
 
وكانت الأيام التشاورية قد شهدت تجاذبا حادا بين العناصر الأكثر تشددا في الطرفين: (الزنوج) الأفارقة والعرب-الأمازيغ. حيث يطالب الطرف الأول بتبني مقاربة قضائية في ملف الإرث الإنساني في حين يرى الطرف الثاني أن طي الصفحة بكل ما فيها من شوائب يفي بالمطلوب.
 
اعدام الضباط الافارقة
 
الناشط الموريتاني الافريقي "صو موسى يرو" أعاد إلى ذاكرة المؤتمرين، وبشكل يبعث على التأثر، "الجرائم المرتكبة من طرف عسكريين لا زالوا في الخدمة حتى اليوم"، مذكرا بشكل خاص بإعدام 27 ضابطا (زنجيا) في الجيش الموريتاني في ذكرى عيد الاستقلال الوطني. وأضاف: "لماذا لا ينبغي أن نفتح هذه الملفات؟ لماذا يحاول البعض تجاهل دماء هؤلاء الضحايا التي سالت في اجريده وإنال (قاعدتان عسكريتان موريتانيتان)؟". وقال السيد "يرو": نحن نريد بكل بساطة أن نعرف حقيقة ما جرى وأن يعرفها الآخرون كذلك". كما طالب بإلغاء قانون العفو الذي أصدره نظام ولد الطايع في العام 1993 والذي جعل العسكريين بمنأى عن المتابعات القضائية المتعلقة بالأحداث العرقية.
 
وفي الاتجاه ذاته، حذر رجل الأعمال الإفريقي الأصل "بالاس" المشاركين في الأيام التشاورية من إنتاج مهزلة جديدة بتجاوز حقوق الناس وآلامهم، معتبرا أن "شيئا من هذا القبيل سيكون أسوأ من أحداث 1989".
 
وقال الرجل الذي كان يملك ذات يوم متجرا كبيرا للمواد الغذائية وسط العاصمة نواكشوط: "الفترة الزمنية محددة وعدد الضحايا محدد والرئيس أعطى الأوامر". وأضاف وهو يستذكر يوم 24 نيسان (أبريل) 1989: "تعرضنا في هذا اليوم، وسط العاصمة نواكشوط، لهجمة شرسة من المتظاهرين البيظان (العرب) الذين نهبوا متاجرنا بمساعدة رجال الشرطة وغياب واضح لدور الدولة في حماية مواطنيها".
 
أما الطرف الآخر، فقد تحدث منه القومي العربي "بيت الله" الذي انتقد بشدة "من يريدون جر البلاد إلى مزيد من المشاكل والأزمات لخدمة أجندة أجنبية". وبين أن هؤلاء إنما يسعون لصب الزيت على النار، معتبرا أن "الجيش الموريتاني هيئة وطنية تؤدي مهمة مقدسة لحماية الوطن والمواطن". وقال إنه سيكون من الخطورة بمكان محاولة المساس بهذا الجيش من أجل إرضاء بعض الأطراف المعروفة بعدائها للدولة ومتاجرتها بالأزمات.
 
على صعيد متصل، طالب حزب "الصواب" ذو الاتجاهات البعثية بضرورة "اعتبار الإرث الإنساني جزء من الممارسات الدكتاتورية المستخدمة خلال الفترات الماضية ضد جميع مكونات الشعب الموريتاني". وأضاف الحزب أن قصر هذه الممارسات على فترة محددة ومكونة محددة من مكونات الشعب يمثل إهانة للمكونات الأخرى وتنكرا لمباديء العدالة والإنصاف وحقوق الإنسان.
 
ويشير حزب "الصواب" بهذا التحفظ إلى المضايقات التي تعرض لها البعثيون في موريتانيا في ظل الأحكام السابقة والتي وصلت حد القتل والتعذيب. كما طالب بتسوية مشكل المبعدين الموريتانيين من السنغال أثناء أحداث 1989.
 
العودة لمن يريد
 
وكانت موريتانيا والسنغال والمفوضية العليا للاجئين قد وقعوا في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي اتفاقا ثلاثيا يحدد الإطار القانوني لعملية تنظيم عودة اللاجئين المقيمين، في غالبيتهم العظمى، على الأراضي السنغالية. ويقضي هذا الاتفاق بالسماح لما مجموعه 24.000 موريتاني مقيم في السنغال بالعودة إلى موريتانيا إن هم رغبوا في ذلك في الوقت الذي تشير فيه وثيقة تابعة للمفوضية باستعداد 12.600 فقط من بين هؤلاء للعودة. ويرى المراقبون أن الغموض لازال يلف حجم التعويضات التي سينالها المبعدون أو ضحايا الإرث الإنساني، ما يجعل الكثيرين منهم يترددون مرات قبل أن يقرروا العودة.
 
ومن المقرر أن تبدأ الأفواج الأولى من اللاجئين في العودة إلى ديارها أثناء شهر ديسمبر (كانون الأول) القادم عبر نقطتي عبور على نهر السنغال الفاصل بين الدولتين الجارتين، وسيبلغ عددهم نحو 2000 شخصا، على أن ينتظر الآخرون السنة المقبلة. وتتحمل المفوضية العليا للاجئين مصاريف النقل بالإضافة إلى معونة أولية للعائدين تساعدهم على الاندماج في مناطقهم الأصلية، حيث سيستلمون منها رصيدا غذائيا يكفي لثلاثة أشهر (أرز، سكر، عدس، ..) وغطاء وفراشا. كما تتدخل المفوضية في مجال تأهيل البنى التحتية المحلية، خاصة الخدمات الصحية والمدرسية. ويعتقد أن هؤلاء العائدين سيرجعون إلى نحو 50 قرية موريتانية أجبروا على مغادرتها قبل 18 عاما.
 
وتجدر الإشارة إلى عددا من اللاجئين الموريتانيين أقاموا بعد طردهم سنة 1989 في دولة مالي، على الحدود الشرقية لموريتانيا.
 
وكان الرئيس ولد الشيخ عبد الله قد تعهد أثناء حملته الانتخابية الرئاسية في آذار (مارس) 2007 بإعادة اللاجئين الموريتانيين إلى ديارهم وتسوية ملف الإرث الإنساني.
 
عن إذاعة هولندا العالمية - 28/11/2007
 

 

libyaalmostakbal@yahoo.com