
من هم الطوارق
يعتقد أن الطوارق هم أقدم سكان الصحراء الكبرى، وقد
اضطروا إلى التكيف مع التغييرات المناخية التي شهدها
كوكب الأرض قبل عشرة آلاف سنة، عندما توقف هطول
الأمطار على أكبر غابة مطيرة على وجه الأرض، بينما
تحولت قارة أوروبا من قارة شديدة البرودة، إلى مكان
قارة أكثر دفئا.
ولا يزال في تقاليد الطوارق بعض أوجه المجتمع الأمومي،
الذي يسبق مرحلة الزراعة ورعي الحيوانات، والذي ارتبط
بمرحلة التقاط الثمار من الغابات، وحتى الآن لا تنتقل
السلطة من زعيم الطوارق إلى ابنه، وإنما إلى أكبر
أبناء شقيقته، ويعتقد أن كلمة الطوارق اشتقت من اسم
واد في جنوب ليبيا يسمى "تاركة"، وإن اختلف الباحثون
حول ذلك، ولكن الثابت أنهم فضلوا العيش في الصحراء
الكبرى والتكيف مع أقسى الظروف المناخية على كوكب
الأرض، وتحول الجمل وخاصة النوع السريع "المهاري" إلى
أكثر الحيوانات أهمية في حياتهم.
يتحدث الطوارق لغة أقرب إلى اللغة الأمازيغية،
ويستخدمون أبجدية تعرف ب"التيفيناغ"، وينقسمون إلى عدة
ممالك يحكمها سلاطين، وفي ذروة مجدهم تمكنوا من بناء
إمبراطورية صحراوية تمتد من مدينة غدامس في ليبيا إلى
تمبكتو في مالي، ونظرا لاختلاطهم بالعرب والأفارقة،
اكتسب الطوارق الكثير من العادات والتقاليد من
الطرفين، ومارسوا التجارة مع الطرفين، ولكنهم في نهاية
الأمر تحولوا إلى ضحية لتقاسم الاستعمار لإفريقيا،
فشتتهم بين مجموعة من الدول.
يقدر عدد الطوارق بأكثر من 3.5 مليون نسمة، يعيش حوالي
85 % منهم في مالي والنيجر، أما الباقي فيعيشون في
ليبيا والجزائر، ويصل بعضهم إلى بوركينا فاسو، وظلوا
سادة الصحراء الكبرى ولغزها الأكبر، إذ نظر إليهم
الأوروبيون بكثير من الدهشة، في محاولة لإماطة اللثام
عن شعب مبهم، وخاصة وأن رجالهم يستخدمون اللثام
الأزرق، حتى أطلق عليهم لقب "الرجال الزرق"، وخاصة
أنهم منعوا الرحالة الأوروبيين من التوغل في الصحراء
الكبرى، وقتلوا معظمهم.
تحول الطوارق إلى الإسلام في القرن السادس عشر، وقبل
ذلك كانوا يعبدون أسلافهم، ولهم العديد من الأساطير
التي يمكن اعتبارها المؤسس للأساطير التي ظهرت على
ضفاف النيل، وفي بلاد الرافدين، مثل أسطورة "تانس
ووانس"، التي تشبه إلى حد كبير أسطورة "ايزيس
وأزوريس"، وأيضا أسطورة "تموز وعشتار" البابلية، ونجد
في روايات إبراهيم الكوني الكثير من هذه الأساطير،
التي حاولت في فترة مبكرة تفسير الكون بشكل طفولي.
وينقسم الطوارق إلى بدو وحضر، وخاصة في ليبيا، حيث بنى
طوارق غدامس واحدة من أجمل وأكثر المدن غرابة، والتي
اعتبرتها اليونيسكو جزء من التراث العالمي، وفي هذه
المدينة يتم الفصل بين الرجال والنساء بطريقة حازمة،
حيث تسير النساء في الشوارع العلوية، بينما يسير
الرجال في الشوارع السفلية، ولا يلتقون إلا في البيوت،
التي تدخلها النساء من أعلى، والرجال من أسفل، أما
الطوارق الذين يعيشون في غات فهم أقرب إلى البدو، حيث
كانوا يقيمون في الخيام، ويظعنون في أعماق الصحراء،
وللنساء حرية أكبر في هذا المجتمع، الذي ينقسم إلى ست
طبقات، هم السادة الذين يحتكرون السلطة، رجال الدين
والمعلمون، المقاتلون، الصناع، الأرقاء المحررون،
وأخيرا العبيد.
|
تسعى الجزائر
لإنقاذ اتفاق السلام الذي وقع بين متمردي الطوارق والحكومة
المالية في يوليو 2006، وكانت الجزائر قد رعت
ذلك الاتفاق، ولكن حتى الآن لم ترشح معلومات عن
نتائج الاجتماع الذي جمع يوم السبت الماضي، بين وزير إدارة
الأراضي المالي، الجنرال كافو غونا كونيه، وممثلين عن
متمردي الطوارق، ويبدو أن الحكومة المالية غير قادرة حتى
الآن على الوفاء بما تعهدت به في ذلك الاتفاق، حيث لا
يطالب الطوارق سواء في مالي أو النيجر بالانفصال، وإنما
بحكم ذاتي، وبحصة في ميزانية التنمية، والاعتراف بحقوقهم
الثقافية.
أكراد الصحراء الكبرى
بالرغم من أن
تمرد الطوارق في مالي والنيجر بدأ في مطلع التسعينات، إلا
أنه لفت أنظار العالم في هذه العشرية، وخاصة بعد تمدد
تنظيم القاعدة انطلاقا من الجزائر إلى الصحراء الكبرى،
وكان زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، عبد
الملك درودكال قد اعترف خلال هذا الأسبوع، أن تنظيمه موجود
في سبع دول، تشمل جميع دول شمال إفريقيا الخمس، بالإضافة
إلى مالي والنيجر، الأمر الذي جعل احتمالات أن يتحول
الطوارق إلى حاضنة لهذا التنظيم أمرا واردا، وخاصة عندما
استغلت الحكومتان المالية والنيجيرية هذه النقطة، وأشاعتا
أن الطوارق يدعمون تنظيم القاعدة.
لهذا سعت
الجزائر مبكرا للجمع بين متمردي الطوارق والحكومة المالية،
حتى تقطع الطريق على تنظيم القاعدة، كما أنها تخشى أن يمتد
التمرد إلى جنوبها حيث يعيش الطوارق أيضا، كما جذب النزاع
ليبيا التي يعيش الطوارق أيضا في جنوبها الغربي، وحاولت
التوسط في النزاع في مالي والنيجر، وتوظيفه في مساعيها
للعودة إلى المجتمع الدولي، بعد صفقتها الشهيرة مع الغرب
عام 2003، إلا أن الطوارق ينفون أي ارتباط لهم بتنظيم
القاعدة.
اتهامات متبادلة
إبراهيم أغ
بهانغا زعيم التحالف الديمقراطي من أجل التغيير في مالي،
ينفي ذلك جملة وتفصيلا، وفي لقاء جمعه في الجزائر مع مراسل
هيئة الإذاعة البريطانية، يقول بهانغا "حدثت مواجهات بين
عناصرنا وعناصر من تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال،
وطاردنا هؤلاء السلفيين حتى بلدة تومبوكتو، ومنعناهم من
التمركز، ونفرض مراقبة كاملة على مناطقنا". ولكن الظروف
التي يعيشها المدنيون الطوارق في شمال مالي قد تدفع بعضهم
إلى التحالف مع تنظيم القاعدة، على أساس أنه أفضل طريقة
لجعل المجتمع الدولي يتدخل لحل المشكلة، التي تهدأ حينا
لتعود إلى التأجج من جديد.
في هذا الصدد
يقول بهانغا "إن دولتي مالي والنيجر لا تريدان لنا مكانا
على أرضنا، ونحن نسعى لأن يجد شعبنا كرامته وأمنه حتى وان
تطلب الأمر تضحيات جسام". بل أنه يتهم الحكومة المالية
بالتواطؤ مع تنظيم القاعدة ضدهم "إن السلطات المالية
تستعمل عناصر السلفية لقتالنا، حيث تسمح لهم بالتحرك ضدنا،
وغرضهم كما يقول هو محاربة الطوارق بل أن هذا يدخل في
مشروع مشبوه لتحطيم الطوارق وإسقاط مطالبهم". مؤكدا أنه لا
توجد أي علاقة بين الطوارق وتنظيم القاعدة واصفا ما تروج
له الحكومة المالية بأنها "مزاعم سلطات باماكو التي تريد
إلصاق التهمة لعلاقة الطوارق بالقاعدة، ونحن نؤكد هنا أن
الطوارق لا ولن تكون لهم أدنى علاقة مع القاعدة ولا مع
شبكات إرهابية أخرى كالجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهذا
كما قلت من صنيع النظام المالي". ويأمل بهانغا أن يتوصل
الطرفان برعاية جزائرية إلى إعادة إحياء اتفاق السلام
الموقع عام 2006، ويقول بهانغا في هذا الصدد أنهم يطالبون
فقط بتطبيق هذا الاتفاق كاملا.
ثورة اليورانيوم
في النيجر شكل
الطوارق حركة النيجر من أجل العدالة، التي تمكنت من خطف
أربعة فرنسيين ونيجيري يعملون في مجموعة أريفا للطاقة
النووية، وتوجد في مناطق الطوارق في شمال النيجر مناجم
لليورانيوم، ذهبت كل عوائدها للحكومة، ولم يحصل الطوارق
على شيء، وكانت حركة النيجر من أجل العدالة قد أعلنت أنها
خطفت الرهائن لتؤكد عدم فعالية الإجراءات الأمنية التي
اتخذتها الحكومة، وعلى غرار الحكومة المالية، تتهم حكومة
النيجر الطوارق بان لهم علاقة وطيدة بتنظيم القاعدة، إلا
أن ممثل الحركة في أوروبا كوسن ميغا ينفي ذلك مؤكد أن هذه
الاتهامات "عارية تماما عن الصحة وتهدف إلى تقويض
مصداقيتنا في الغرب وتخويف دول الجوار من التعاطي معنا".
كما يؤكد أن حركته سبق له خوض مواجهات مسلحة ضد الجماعات
السلفية في شمال البلاد، ويقول ميغا أن سبب تمرد طوارق
النيجر مرة أخرى هو عدم وفاء الحكومة باتفاقات السلام
الموقعة عامي 1995 و1998.
قابيل وهابيل
لماذا يتم
التركيز بشدة على النزاع في دارفور، بينما يهمل النزاع في
النيجر ومالي؟ بالرغم من أن معظم منطقة الصحراء الكبرى، من
دارفور إلى مالي مرورا بتشاد، تشهد نزاعات تتفاقم
باستمرار.
لعل التغييرات
المناخية، التي أدت إلى الجفاف وزيادة التصحر، هي التي
ساهمت في خلخلة التوافق الهش القائم بين بدو الصحراء،
الذين يعتمدون على الإبل مثل الطوارق، والفلاحين الأفارقة
في الجنوب وتسببت في مثل هذه النزاعات، والتي لم تتوقف منذ
أن تحولت الصحراء الكبرى قبل عشرة آلاف سنة، من غابة كثيفة
إلى صحراء قاحلة، وكأنها تؤكد أن ما جرى بين هابيل وقابيل
يتكرر اليوم لنفس الأسباب، بالإضافة إلى اليورانيوم
واحتمال وجود النفط تحت الرمال.
نشر بموقع
(إذاعة هولندا العالمية) - 04/07/2008
|