|

الرئيس السوداني عمر البشير

ناشطون يتظاهرون في جنيف تأييداً لطلب اعتقال البشير
|
بعد أسبوع من
تقديم المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، لويس
مارينو أوكامبو، مذكرة يطلب فيها محاكمة الرئيس السوداني،
وبعد يومين من إلقاء القبض على رادوفان كاراديتش، وصل
اليوم الأربعاء الرئيس السوداني عمر حسن البشير، إلى إقليم
دارفور في زيارة تستمر يومين. سوف يزور البشير عواصم
الولايات الثلاث في الإقليم، وهي الفاشر عاصمة ولاية شمال
دارفور، ونيالا عاصمة جنوب الإقليم، والجنينة عاصمة غرب
دارفور. وبالرغم من رفض الرئاسة السودانية التعليق على
الزيارة، إلا أن المراقبين يعتبرون الزيارة دليلا على
تأثير مذكرة أوكامبو في قضية دارفور التي لم تشهد انفراجا
منذ اندلاع الأحداث عام 2003.
كانت آخر مرة
زار فيها الرئيس البشير الإقليم المضطرب عام 2007، عندما
حاول إثبات أن الوضع الأمني في الإقليم مستقر، وأن
الجماهير التي استقبلته وهو في سيارة مكشوفة، ثم أحاطت
بالمنصة التي تحدث منها إليهم لا تعتبره مسئولا عن ما جرى
لهم. وبالرغم من أنه أعلن عن مجموعة من المشاريع التنموية
في الإقليم، واعتزام الحكومة نشر 20 ألف شرطي، مزودين بخمس
وسبعين سيارة لاندكروزر، من أصل 300، إلا أن الأحداث
اللاحقة أثبتت أن الزيارة كانت مجرد كتابة مستعجلة على
رمال دارفور، وخاصة عندما تمكنت قوات حركة العدل
والمساواة، من الوصول إلى أم درمان في شهر مايو الماضي.
الفيتو الصيني
في هذه الزيارة
يسعى البشير مرة أخرى لإثبات مساندة جماهير دارفور له،
ولكنه أيضا سيحاول إعادة المارد إلى قمقمه، والبدء جديا في
توفير الأسباب اللازمة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر
الممكنة. وخاصة بعد أن ضمن مساندة الصين له، ووفقا لوزير
الخارجية السوداني، السماني الخليفة فإن الصين ستستخدم حق
النقض لإحباط أي قرار بمحاكمة البشير، في الوقت الذي أعلنت
فيها الأمم المتحدة أنها لا تستطيع التدخل في قرار المحكمة
الجنائية الدولية، المزمع اتخاذه خلال الأشهر الثلاثة
القادمة، وفقا لتصريحات المتحدثة باسم المنظمة الأممية
ميشال مونتاس.
وعود انتخابية!
في كلمة له أمام
حشد من الجماهير في مدينة الفاشر اليوم الأربعاء، قال
البشير أن هناك ألف أسرة في طريقها للعودة إلى بيوتها في
دارفور، وانه يسعى لتحقيق العدل، وتوفير الأمن، والتنمية
والخدمات في دارفور. واضاف قائلاً إن "كلام أوكامبو وما
يفعله لن يؤثر في عملنا". وتطرق للانتخابات التي ستجري
العام القادم في كل أنحاء السودان، مرحبا في نفس الوقت
بالمراقبين الأجانب لهذه الانتخابات للتأكيد على نزاهتها.
وقال البشير إن
حكومته حققت السلام في الجنوب، حتى تم توقيع اتفاقية
نيفاشا، وبالتالي فهو حريص على تحقيق السلام في كل أنحاء
السودان. وقال البشير أن وجود النفط والغاز والمعادن في
دارفور هو الذي استقطب أنظار الآخرين للإقليم، وأنه لن
يسمح بتقسيم الإقليم، وركز البشير على عدد الجامعات
والمدارس ومشاريع الري في دارفور، وأن التنمية والخدمات
ستستمر، وأن هذا أفضل دليل "على الأمن الذي تنعم به
دارفور"، وقال أنه تم التوقيع على إنشاء محطة كهرباء تزود
إقليمي دارفور وكردفان بالكهرباء، بحيث ترتبط دارفور
بالشبكة القومية للكهرباء، وأن مبادرة سلام دارفور سيتم
إنجازها، بما في ذلك عودة النازحين، وتوفير كل الخدمات
ومشاريع التنمية لهم. بينما كانت الجماهير تحييه بهتافاتها
"سير سير يا بشير"، وبدا المشهد جزءاً من حملة انتخابية،
يعد فيه المرشح ناخبيه بالكثير من الوعود، أكثر من كونه
زيارة يقوم بها رئيس له في السلطة حوالي عشرين عاما.
الخطة العربية لا تزال سرية
من جانبه لم
يستبعد الأمين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى
الدعوة إلى قمة عربية طارئة إذا تطور الأمر، لكنه استمر في
تكتمه الشديد على الخطة التي وضعها وزراء الخارجية العرب
في اجتماعهم الطارئ. لكن بعض التسريبات أشارت إلى أن هناك
تحفظا سودانيا على بعض النقاط في الخطة، حيث يرفض بعض
أركان الحكم السوداني حتى محاكمة المتهمين، أحمد هارون،
وعلي كوشيب داخل السودان، في وجود رقابة عربية وإفريقية.
وقبل لقائه الثاني بالرئيس السوداني يوم أمس الثلاثاء، قال
عمرو موسى إن "المسافة بين ما طرحته على القيادة السودانية
وموقفها ليس بعيداً". وهو ما يدل على وجود مثل هذه
التحفظات على عكس تصريحات المسئولين السودانيين بعد لقاء
موسى الأول بالبشير، حيث أشادوا بالخطة العربية دون أن
يبدوا أي تحفظ. وبعد اللقاء الثاني مع الرئيس البشير صرح
موسى للصحافيين، أن السودان ليس لديه أي تحفظ على الخطة،
وأنه سيبلغ الإتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة بذلك، ولكنه
من جديد رفض الخوض في تفاصيل الخطة.
المثال الصربي
بالرغم من
تصريحات الرئيس السوداني القاطعة، وخاصة عندما قال أنه لن
"يسلم شعرة واحدة من مواطن سوداني ليحاكم في الخارج". إلا
أن تقديم هارون وكوشيب لمحكمة محلية يصبح واردا أكثر من أي
وقت آخر، خاصة بعد أن أظهر العقوبات والضغوط الأوروبية
جدواها في الحالة الصربية، إذ ما كان لأحد أن ينجح باعتقال
ردوفان كارديتش لولا تعاون الحكومة الصربية، وخاصة بعد أن
صوت معظم الناخبين الصرب للرئيس تاديش، الذي لا يرى مانعا
من تسليم كاراديتش مقابل انضمام بلاده إلى الاتحاد
الأوروبي.
لا شك أن الرغبة
في إعادة السلام إلى دارفور تأتي في مقدمة خيارات الخرطوم،
من خلال كلمة البشير اليوم في الفاشر، ولكن هل المتمردون
سيستجيبون لهذه المساعي التي تبدو صادقة، ليس لأنها تأتي
فقط من الرئيس شخصيا، وإنما لأنها تعبر عن رؤية قومية
شاركت فيها معظم الأحزاب السودانية، التي وجدت في أزمة
رئيس الجمهورية أفضل فرصة لإعادة بناء السودان وفقا لرؤية
مغايرة، عن تلك الرؤية الأحادية الجانب التي فرضتها الجبهة
القومية الإسلامية، منذ استيلائها على السلطة عام 1989.
وهو ما يؤكد أن مذكرة أوكامبو نجحت في دفع جميع الأطراف
لحل أزمة دارفور، سواء انتهت بمحاكمة البشير، أو اكتفت
بمحاكمة من هم أدنى منه مقاما. ولعل الإعلان عن رغبة
السودان في إعادة علاقاته الدبلوماسية مع تشاد، يؤكد أن
الحكومة السودانية شعرت بخطر مذكرة أوكامبو، وربما تعتبرها
أخطر من هجوم حركة العدل والمساواة على أم درمان.
|