25/07/2008

ليبيا وسويسرا: تصعيد أم ابتزاز؟
تقرير: طارق القزيري

 
متظاهرون في طرابلس يرفعون صورالقذافي ونجله هانيبال احتجاجا
على احتجازه في سويسرا

 

 

لم يكن عمال وطاقم الخدمة في فندق الرئيس ويلسون في جنيف على علم بأن بلاغهم عن تكرار المشادات في احد أجنحة الفندق سيكون سببا في أزمة دبلوماسية متصاعدة بين دولتين من قارتين مختلفتين. وذلك عندما قادت الشرطة السويسرية نجل العقيد القذافي المقيم بذلك الجناح لتحتجزه لمدة يومين. وتودع زوجته الحامل في شهرها الثامن التي قدمت لجنيف لوضع مولودها، في مصحة بالمدينة، ثم تخلي سبيلهما بكفالة بلغت حوالي نصف مليون دولار. وذلك بتهمة إساءة معاملة خدمه، وهما رجل مغربي يعمل في خدمته منذ خمس سنوات، وسيدة تونسية التحقت بخدمة العائلة منذ شهر مضى.
 
لم يخرج هانيبال القذافي من الاحتجاز البوليسي حتى اتهمت شقيقته عائشة في مؤتمر صحفي، الشرطة السويسرية بافتعال قضية وهمية وفق أدلة غير كافية، معللة سبب ذلك بتقصّد شخص العقيد القذافي، مشيرة بأن العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.
 
غضب وتظاهرات ومطالب مقاطعة
 
بدأ رد الفعل الليبي بالمثل بتظاهرات محدودة لأعضاء حركة اللجان الثورية في العاصمة طرابلس عندما تجمع حوالي 200 مناصر ثوري أمام السفارة السويسرية، حاملين صور العقيد القذافي ونجله هانيبال، وأصدروا بيانا قالوا فيه أنهم سيوصون السياسيين بأنه إذا لم يتم تقديم اعتذار عما لمحت إلى أنها اتهامات ملفقة فانه ينبغي لليبيا قطع العلاقات الدبلوماسية مع سويسرا. ووقف إمدادات النفط وطرد الشركات السويسرية العاملة في ليبيا ووقف الرحلات الجوية بين البلدين، وأيضا سحب الودائع المالية الليبية من البنوك السويسرية.
 
لكن السلطات الليبية لم تنتظر توصيات الثوريين طويلا وباشرت صبيحة الأربعاء بما تراه الرد الملائم، فأغلقت مكاتب المجموعة السويسرية "نستله" والمجموعة السويسرية السويدية "إيه بي بي" واحتجاز مسئوليها بتوقيف احترازي. بل واستدعت بعثتها الدبلوماسية من سويسرا - بحسب موقع العربية نت. وخفضت عدد رحلات شركة الخطوط الليبية من ثلاث رحلات إلى رحلة واحدة أسبوعيا، وكذلك فعلت مع شركة الإفريقية للنقل الجوي.
 
في يوم الثلاثاء اتصلت وزيرة الخارجية السويسرية، ميشلين كالمي ري، بنظيرها الليبي عبد الرحمن شلقم، ووصفت ري الإجراءات الليبية بأنها "إجراءات انتقامية تدعو للقلق"، وعقب ذلك أرسلت الخارجية السويسرية وفدا رفيع المستوى لطرابلس، لتقديم ما وصفته بالمعلومات المفصلة عن اعتقال نجل العقيد، وفي نفس الوقت اشتكت من عدد من التدابير الانتقامية المثيرة للقلق. ونصحت المواطنين السويسريين بعدم زيارة ليبيا حتى إشعار آخر.
 
أعمق من قضية جنائية
 

 
محمود شمام
 
من جهته قال الإعلامي الليبي "محمود شمام" في حديث هاتفي من واشنطن مع القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية، أنه من الصعب تصديق أن القضية تتمحور حول مخالفة جنائية أو خرق لحقوق الإنسان، وقال باعتبار أن مثل هذه القضايا تحدث دائما في مختلف العواصم ومن شخصيات سياسية وعائلات مالكة تتردد على أوربا في العادة، فالتساؤل هو لماذا تحركت سويسرا الآن؟ سؤال جدير بالاعتبار. ان شعور عائلة القذافي تحديدا أنها مستهدفه من هكذا قضية يبدو مبررا، وإن كانت الأسباب الحقيقية تظل بعيدة عن المتناول حتى الآن.
 
ويضيف السيد "شمام" أن سويسرا وفي أشد لحظات المواجهة بين ليبيا والغرب كانت المحطة الأكثر أريحية للنشاطات التجارية والمالية وحتى الأمنية، بل كشفت معلومات متكررة أن الأراضي السويسرية كانت قناة أكثر من فاعلة في الخطط الليبية للتسلح النووي سابقا. ومع النظر لحجم المصالح الليبية المالية والمصرفية وكذلك النفطية، فلا يستبعد أن تكون القضية رسالة موجهة من أطراف ما ضمن لعبة المال الدولية والشبكات العالمية. مشيرا في هذا الصدد إلى مخالفات كثيرة من قبل أبناء القذافي - وهانيبال بالذات - في باريس بفرنسا وكوبنهاجن في الدانمرك مرت دون أزمات تذكر بعكس ما يحدث الآن.
 
وقال شمام في حديثه "لإذاعة هولندا": "أن هذا لا يعني مشاركة الحكومة السويسرية بالضرورة في هكذا مسار - إذا صح - ولكن ليبيا أرادت توجيه رسالة واضحة لسويسرا، خاصة وان المنطقة بالنسبة لليبيا تشهد تقلبات دولية مثيرة مثلما يحدث في قضية دارفور وغيرها. وإثارة قضايا حقوقية ليست بالأمر المستساغ الآن ليبياً". واستبعد أي رغبة أو مصلحة ليبية أو سويسرية لدحرجة القضية طويلا، فعلاقات الدولتين ومصالحهما لا تسمح لمثل هذا الخلاف أن يتصاعد ليخرج عن السيطرة.
 
ليبيا وأوروبا المصالح والتعثرات
 
ومما يعكس حجم المصالح المتبادلة تصريح مدير الاتحاد النفطي السويسري، رولف هارتل، بأن "ليبيا ستعاقب نفسها بنفسها" اذا فرضت حظرا نفطيا على سويسرا. واكد ان مصفاة كولومبيه, احدى المصفاتين السويسريتين, تملكها فعلا شركة "تامويل" العامة الليبية التي تملك ايضا 320 محطة للوقود في سويسرا. وقال "اقتصاديا, هذا لا معنى له".
 
وتعد هذه الأزمة الثانية بين ليبيا ودولة أوروبية بعد أزمة مماثلة مع الدانمرك، حيث أعلنت ليبيا يونيو الماضي أنها استثنت شركات دانمركية من خطة لإعادة تطوير بنية أساسية حجمها 150 مليار دينار, احتجاجا على الرسوم المسيئة للنبي محمد التي نشرتها صحف دانمركية. لكن صحفا دانمركية ذكرت قبل يوم من الإعلان الليبي أن الخارجية الدانمركية هددت بإيقاف أي تعامل مع ليبيا مالم تمكنها السلطات الليبية من مقابلة مواطن دانمركي من أصول ليبية اعتقل وحكم صحبة 13 آخرين بسبب مطالب حقوقية وسياسية. وقالت صحيفة "كوبنهاجن بوست" أن السلطات الليبية منعت اتصال الدانمرك بمواطنها "جمال الحاجي" المعتقل في طرابلس، للتعرف على قضيته وظروف اعتقاله.
 
ثمة من يقول أن العقيد القذافي المتبرم من الأوروبيين، حتى أنه الوحيد الذي لم يحضر مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط، وجد في الحادثة فرصة للتصعيد ضد دولة أوروبية ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي، وهكذا يمكنه معاقبة دولة أوروبية دون أن يثير حفيظة بقية الأوروبيين، مثلما حدث مع قضية الممرضات البلغاريات قبل انضمام بلغاريا للاتحاد الأوروبي. وهو بذلك يسدل الستار على سياسته التي انتهجها مع الغرب في عام 2003، والتي اتسمت بتنازله عن كل ما من شأنه أن يبقيه في "محور الشر"، وقائمة "الدول الراعية للإرهاب"، ولكن تبين له بعد الفشل الأمريكي في العراق، أن السياسة التي انتهجتها إيران وسورية تحقق أرباحا أكثر، ولا تجعل الغرب يتدخل في الشئون الداخلية، بفرض معاييره لحقوق الإنسان والديمقراطية، وهو ما جعل العقيد القذافي يهرب من شواطئ المتوسط إلى البادية المصرية.

 

 
تعتبر ليبيا الشريك الاقتصادي الثاني لسويسرا في إفريقيا، بعد جنوب إفريقيا وقبل نيجيريا، ويقدر حجم التبادل التجاري بينهما وفقا لإحصاءات 2006، حوالي مليار و917 مليون فرنك سويسري، وتستورد سويسرا 48.8 % من احتياجاتها النفطية من ليبيا، مما يعني أن ليبيا هي المزود الرئيسي لسويسرا بالنفط، ولكن لا يرجح قطع الإمدادات النفطية بسبب بيعها بعقود آجلة. كما تعتبر ليبيا السوق الخامسة للمنتجات السويسرية في إفريقيا، ولا يعرف حجم الأموال الليبية المودعة في البنوك السويسرية.
 
بلغ حجم الصادرات السويسرية إلى ليبيا العام الماضي 190 مليون فرنك، أي بزيادة قدرت بحوالي 55 %.
 
تملك ليبيا 320 محطة وقود باسم شركة تام أويل، كما تملك مصفاة للنفط في سويسرا.
 
 
عن موقع (إذاعة هولندا العالمية) - 24/07/2008

 

libyaalmostakbal@yahoo.com