10/12/2006

 

 

  allibyah@yahoo.com
 
10 ديسمبر 2006
 
شهادة جزائرية فى السيد منصور الكيخيا
 
وصلت الرابطة هذه المقالة التى كتبها أحد مناضلى الثورة الجزائرية وأحد قيادييها السيد الطاهر بن عيشة حول أول قائم بالأعمال للمملكة الليبية المتحدة لدى الجمهورية الجزائرية الفتية السيد منصور الكيخيا. وكانت ليبيا أول دولة تفتح لها مفوضية فى الجزائر. كان ذلك فى 6 يوليو 1962 اليوم التالى للاستفتاء الذى قال فيه الجزائريون نعم للإستقلال.
 
(الشهادة نشرت بأسبوعية المحقق السرى)
 
عرفت هؤلاء ... منصور الكيخيا ومحمد مناع
 
بقلم الطاهر بن عيشة
 
في الثلاثينيات من القرن الماضي، كنت طفلا صغيرا، حينما بدأ اللاجؤون الليبيون، الهاربون من الغزو الإبادي للشعب الليبي، الذي مارسه الإستعمار الإيطالي الفاشي عندما غزى ليبيا ابتداء من أوائل القرن، ونتيجة لضراوة المعارك بين المقاومة الليبية البطلة، وبين جحافل الغزو الايطالي، هجر الشيوخ والنساء والأطفال إلى المناطق المجاورة ومنها ولاية الوادي التي كانت تربطها بليبيا أوثق الصلات الأخوية وحسن الجوار• ففتحت ذراعيها لاستقبال اللاجئين من جهة، وكانت قاعدة خلفية للمقاومة الليبية الباسلة من جهة ثانية، وليس هذا فقط، بل اندفع الشيخ الهاشمي الشريف، شيخ الزاوية القادرية بالجنوب وهي الزاوية المشهورة بالمقاومة للاستعمار منذ عهد الأمير عبد القادر •
 
اندفع الشيخ الهاشمي يدعو المسلمين لمساعدة المجاهدين الليبيين في حربهم ضد الفاشية الايطالية، وبمقتضى هذا النداء، جند مئات الشباب في المقاومة الليبية، ومن المتطوعين اثنان من إخوته، واحد منهما كسرت رجله في تلك المقاومة• وأما الشيخ الهاشمي، فقد ألقت عليه فرنسا القبض، وزجت به في السجن إلى أن مات فيه عقابا له على مساندة إخوانه الليبيين في مقاومتهم •
وعندما اندلعت ثورة أول نوفمبر المظفرة في الجزائر، كان الشعب الليبي، من بين أوائل الشعوب المتحمسة للثورة الجزائرية، والمساندين لها •
 
وبعد الاستقلال كانت ليبيا أول من أقام مفوضية ديبلوماسية لتمثيل الشعب الليبي في الجزائر، وكان أول قائم بالأعمال في هذه المفوضية منصور الكيخيا، وهو شاب كفؤ، له ثقافة واسعة بالتاريخ والإقتصاد ويتحلى بأخلاق كريمة نادرة، إلى جانب إيمانه بالقومية، وضرورة إعطاء دور مركزي للجامعة العربية، وخاصة في مجالات الأمن القومي والاقتصاد والعلوم والثقافة، وكنت أبادله الرأي، وذات يوم جاء أحد المناضلين الليبيين هاربا إلى الجزائر فى اعقاب احداث اعتقل خلالها ثلة من الضباط، •
 
ونجح فى الهروب شريكهم المدني، الذي هو محمد عبد الرزاق مناع، فتعرفت عليه، وكان من مريدي عبد الناصر، وكانت حالته تتطلب المساعدة العاجلة كما بدا لي، وإن لم يطلبها مني، فهو رجل عزيز النفس أنوف بالرغم من طيبته، وهو مثقف يجيد ثلاث لغات: العربية والانجليزية والإيطالية، وله كتب بالإنجليزية، وترجمات منها إلى العربية، ومن أهمها كتاب يتحدث عن حيوانات البحر، وهو عندي اشتريته من مكتبة الفرجاني بطرابلس بعد موته، وهنا أذيع سرا، ولأول مرة وهو أني ذهبت إلى منصور الكيخيا مسئول مفوضية ليبيا المذكور أعلاه، وطرحت عليه مشكلة محمد عبد الرزاق مناع، وظروفه المادية التي توقعت من خلال مظهر حاله أنه في حاجة إلى مساندة مادية، فحالا قال لي منصور: ينبغي أن لا يجوع مناضل مثله يحمل همّ ليبيا برمتها• فاستأذنني وذهب إلى مكتبه وأخرج منه بعض النقود ووضعها في غلاف، وقال لي هذه بعض النقود سلمها له، وقال لي: لا تقل له إنها من عندي• ولا تذكر له اسمي أصلا• وعليك أن تأتيني في كل مرة تحس أنه في حاجة إلى نقود فنقدم له ما أمكن حتى يفرجها الله عليه•• وعندما قدمت له المبلغ، قال لي من أين؟ قلت له قدمها لك صديق لم يشأ ذكر اسمه وأنه مستعد ليقدم لك الدعم كل شهر حتى يفرجها الله، فألح على ذكر اسمه، فذكرت له اسمه، وقلت له، لا تذكر هذا الاسم لأحد، إنه ممثل للملك في الجزائر، هذا الملك الذي شاركت في محاولة الإطاحة بحكمه •
 
فأجابني: أصيل•• أصيل منصور! وكأنه كان يعرفه سابقا•• ثم قال لي الآن يتعين علينا أن نبحث عن بيت مؤثث• ونتحول إليه من الفندق الذي يعج بالجواسيس وأنت تعرف وضعي من هذه الناحية• قلت نعم أعرف ذلك، ثم ذهبت إلى صديقي الطاهر بن عمر رحمه الله وهو من القدماء في الجزائر العاصمة، فعرضت عليه أمر حاجتنا إلى بيت مفروش، فقال لي حالا: هي بنا نذهب الى منزله، فقلت له من هو؟ قال لي: مسيو ديسارني، فقلت له أعوذ بالله من هذا السفاح، الذي عذب الجزائريين، ونكل بهم ألا تعرف غيره؟
 
فقال لي: ذلك ابنه المجرم، وبطبيعة الحال لا يمكن أن يبقى في الجزائر المستقلة، أما الذي ذكرته لك فهو أبوه، وسياسيا لا علاقة للواحد بالآخر، فالوالد مناضل يساري، ومعادي للكولون الاستعماريين ولهذا رغم شيخوخته اختار الجزائر على فرنسا جنسية وإقامة •
قلت له فلنبحث عن محمد عبد الرزاق مناع إذن، فهو في الفندق، أو في مقهى "طنطنفيل"، وفي طريقنا إلى الفندق عرجنا على المقهى فوجدناه بها، فعرضنا عليه الذهاب معنا إلى صاحب البيوت المؤثثة، فقال على بركة الله •
 
وفي شارع قريب من شارع الدكتور سعدان، ذهبنا إلى الشقة المعنية، وجدنا الباب مفتوحا• فدخلنا، فوجدنا ديسارني الأب يقرأ في كتاب باللغة الايطالية، وبصوت مسموع ويبدو أن الكتاب في الفلسفة، نظرا لتردد كلمة ابلاطوني، وتعني أفلاطون• فلما رآنا وضع الكتاب، فلما علم محمد مناع من لهجته أنه من أصل إيطالي، كلمه مباشرة بالإيطالية، سائلا إن كان عنده بيت مؤثت، فأجابه نعم موجود، وسوف لا أخذ منك مليما واحدا، لأنك ستخرجني من حالة الاغتراب الذي أعانيه من عدم وجود من يكلمني بالإيطالية، فسكن عنده مدة طويلة، إلى أن قامت ثورة الفاتح من سبتمبر فدعي إلى اللاتحاق بقيادتها، فكان ناطقا باسمها ومديرا لجريدة "الثورة"، وكان فيها مبجلا مكرما، وإذا به لسبب من الأسباب، يحكم على ابنه بالإعدام من طرف المحاكم الشعبية بتهمة المعارضة، ولما ذهب لزيارة العقيد ليطلب منه التدخل لحماية ابنه من الإعدام، رفض العقيد أن يستقبله في مكتبه كما جرت العادة، وبمجرد ما أبلغه السكرتير عدم رغبة العقيد في رؤيته، مات كمدا بالسكتة القلبية في مكتب العقيد، ثم اختطف بعد مدة منصور في أحد شوارع القاهرة، وكان وزير خارجية الثورة، وهكذا الهرة تجوع يوما فتأكل أولادها •
 
الطاهر بن عيشة
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

libyaalmostakbal@yahoo.com