لم يتضح حتى الآن مكان دفن الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي توفي يوم أمس السبت في أحد مستشفيات مدينة هيوستن الأمريكية، وتجري السلطة الفلسطينية الإعداد لدفنه في رام الله، حيث عاش درويش منذ عودته مع كوادر منظمة التحرير الفلسطينية، بعد توقيع اتفاق أوسلو للسلام، كما يحتمل أن يدفن جثمان الشاعر في قرية البروة التي ولد بها عام 1941، التي تقع شرق ساحل عكا، والتي تحولت إلى مزرعة إسرائيلية تسمى "احي هود".وبالرغم من أن السلطات الإسرائيلية سمحت له بالعودة والحياة في مدينة حيفا، التي أحي فيها أمسية شعرية في العام الماضي، بعد 35 عاما من خروجه منها إلى المنفى، حيث عاش متنقلا بين القاهرة، بيروت، باريس، تونس، ورام الله، ولكن حتى الآن لم يتضح ما إذا كان سيدفن الشاعر في الجليل، حيث تموت العصافير، كما جاء في إحدى قصائده الشهيرة. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أعلن الحداد ثلاثة أيام في الأراضي الفلسطينية، حدادا على الراحل الكبير، وقال عباس في كلمة بثها التلفزيون الفلسطيني الرسمي:"كم هو مؤلم على قلبي وروحي أن انعي للشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية وكل محبي السلام والحرية في العالم، رحيل نجم فلسطين وزينة شبابها وفارس فرسانها، الشاعر الكبير محمود درويش الذي انتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها الساعة التاسعة والنصف مساء اليوم بتوقيت فلسطين".تكاد تطابق حياة محمود درويش قضية شعبه، منذ أن هجر من قريته البروة عام 1948، فخرج مع أسرته إلى لبنان، وبعد عام تسللوا إلى وطنهم ليجدوا أن قريتهم اختفت بالكامل، ومنذ ذلك الحين عاش في حيفا، حيث انتمى للحزب الشيوعي الإسرائيلي، مع أميل حبيبي، وسميح القاسم، وكتب قصائده ومقالاته الأولى وهو لا يزال على مقاعد الثانوية، تلك القصائد والمقالات التي جعلت الديمقراطية الإسرائيلية تعتقله خمس مرات، كما فرضت عليه الإقامة الجبرية، وخاصة بعد قصيدته التي يخاطب فيها شرطيا إسرائيليا، قائلا له "سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألف"، التي كتبها عام ،1967 وفي عام 1972 يغادر درويش فلسطين إلى موسكو للدراسة، ومن هناك ينتقل لاجئا في القاهرة، ليعمل في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ويتنقل معها حيث تنقلت، ليصبح رئيس رابطة الكتاب الفلسطينيين، ورئيس مركز الأبحاث الفلسطينية، ويؤسس مجلة الكرمل، وليكتب أنضج قصائده، واضعا حدا حاسما بين قضيته السياسية، وفن الشعر، رافضا أن يكون شاعر القبيلة، ومفضلا أن يكون شاعر الجمال، وبذلك يكون درويش من بين الشعراء القلائل الذين تمكنوا على نحو مبهر من المزج بين آلام الضحية، والتسامي فوق هذا الآلام بلغة شفافة، واستعارات مبتكرة توقظ في الجلاد جذوة إنسانيته. وكان درويش يقول "على الشاعر أن لا يصدق التصفيق دوما".ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها قلب الشاعر إلى متاعب، فقد سبق له أن أجرى عملية قلب مفتوح في باريس عام 2001، ولكن هذه المرة كان الأمل بنجاح العملية ضعيفا، ويبدو أن درويش فضل أن يموت هناك في تكساس، حتى لا يتقاسم جثته حركتا فتح وحماس، اللتان تباريتا في نعيه، وكان الشاعر قد استقال من كل مناصبه في منظمة التحرير الفلسطينية، احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو للسلام، وسبق له أن انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية للمنظمة عام 1988، كما عين مستشارا للرئيس عرفات.
ترك الشاعر خلفه 30 ديوانا شعريا
ونثريا، وثمانية كتب، وترجم شعره إلى عشرين لغة، كما حاز عدة جوائز منها اللوتس
عام 1969، جائزة البحر المتوسط عام 1980، درع الثورة الفلسطينية عام 1981، لوحة
أوروبا للشعر عام 1981، جائزة ابن سينا السوفيتية عام 1982، جائزة لينين 1983،
جائزة الأمير كلاوس الهولندية عام 2004، وجائزة سلطان العويس مناصفة مع الشاعر
أدونيس في نفس العام.
|