29/10/2008

 
"أدونيس لم يسئ للإسلام ولا مبرر للخوف من الحداثة"

حاوره: عبد العالي رقاد (إذاعة هولندا العالمية)

 

 
 
أدونيس الشاعر الذي أثار خوف
الإسلاميين من الحداثة
 
 
الروائي والكاتب الجزائري الأمين الزاوي
 
أثارت المحاضرة التي ألقاها الشاعر والمفكر السوري أدونيس في الجزائر، حول الإسلام والمرأة الحداثة كثيرا من الردود والانتقادات الحادة. لكن القطرة التي أفاضت الكأس كانت ما قاله أدونيس في حوار لصحيفة الشروق من أن "طرق نهضة المسلمين لن يكون ممكنا إلا بإحداث قطيعة تامة مع تراثنا الديني، وتبنينا منظومة فكرية حداثية ترفض تقديس المقدسات الإسلامية" وأن "العودة إلى الإسلام تعني انقراضنا الحضاري." وقوله في المرأة إنها "لا وجود قانوني لها في النص القرآني وأنها ليست حرة ولا هي سيدة مصيرها"، وأنها "أداة لإشباع غريزة الرجل."
 
هذه الأفكار فجرت نقاشا حادا في الوسط الثقافي والإعلامي في الجزائر. ووصفها الشيخ عبد الرحمان شيبان رئيس جمعية المسلمين الجزائريين "تجريح سافر، ساخر، في علماء الإسلام وفقهائه المجتهدين القدماء والمعاصرين" منددا بإلحاد أدونيس ودعوته إلى الجزائر.
 
ومن تداعيات محاضرة الشاعر السوري اليساري علي أحمد سعيد إسبر، المعروف باسم أدونيس، الخلاف الحاد الذي نشب بين الأديب أمين الزاوي مدير المكتبة الوطنية، الذي استضاف أدونيس وبين وزارة الثقافة التي أقالت الزاوي من منصبه هذا الأسبوع.
 
إذاعة هولندا العالمية حاورت الأديب الجزائر أمين الزاوي وسألته عن خلفيات النقاش الذي أعقب محاضرة أدونيس، وعن تداعياته في الساحة الفكرية في الجزائر: 
 
المفكر السوري أدونيس يحاضر في الجزائر ويشرح أفكاره حول القطيعة مع المقدس والتراث الإسلامي ويلقى ردود فعلا مستنكرة، هل هي يقظة المجتمع الجزائري كما تقول وزيرة الثقافة أم الخوف من الحداثة؟
 
أنا أعتقد أولا أن أدونيس مفكر وشاعر كبير، وكتبه منشورة وموزعة وتدرس في الجامعات وهو ليس غريبا على القارئ الجزائري والعربي. ما أريد أن أؤكد عليه هو أن المحاضرة التي ألقاها أدونيس حول الممانعة في المكتبة الوطنية قبل أسبوعين هي في الأساس لم تكن متصلة بالدين الإسلامي، لكن بالدين السياسي بمعنى أن استثمار الدين كرأسمال سياسي هو الذي يسيء إلى الإسلام. وقد فرق بشكل واضح بين مفهوم الدين كوحي، ومفهوم الدين كسياسة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. الكثير لم يفهم أفكار أدونيس: لقد وقف أدونيس محييا مقاومة حزب الله في جنوب لبنان، وفي الوقت نفسه يعترض على الدولة الدينية والأحزاب ذات الخلفية الدينية لأنه يعتقد أن قيام دولة دينية في بلادنا هو أيضا إعطاء رخصة لإسرائيل لإقامة الدولة العبرية الدينية في حين أن فلسطين هي أرض الديانات.
 
أدونيس قال بأنه يجب على المسلمين إحداث القطيعة التامة مع التراث الإسلامي ومع المقدس، ما معنى ذلك؟
 
لا لم يقل أدونيس ذلك، قال علينا أن نقرا تراثنا جيدا، ولا يمكن تأسيس حداثة دون قراءة التراث: تحدث على الرسول بشكل إيجابي، وتحدث على المعري بإسهاب. أعتقد بان الصحف الجزائرية التي نقلت كثيراً من الأفكار كانت سطحية تماما في تغطيتها. محاضرة أدونيس هي محاضرة في الفكر الفلسفي وفلسفة الدين وليست من باب المشاحنات والسجالات الفارغة، فهي تقوم على قراءة المشهد السياسي الحالي في العالم العربي من حيث غياب الحداثة والديمقراطية وتداول السلطة، وهذا ليس ناتجاً عن الدين لكن عن تعاملنا مع الدين كمؤسسات وكسلطة وأحزاب...الخ.
 
هل كان هناك اعتراض على استضافة أدونيس كشاعر ومفكر علماني حداثي؟ وما أصداء ذلك؟
 
نعم، كان هناك اعتراض من طرف جمعية العلماء المسلمين حيث أصدرت بيانا وقالت فيه بأن ادونيس هو ملحد وزنديق، وشعره ليس جيدا إلى غيره من الكلام. هذه هي الديمقراطية ولهم الحق في قول ما يشاءون، لكن ما اختلفت فيه معهم هو أنهم قالوا ما لم يقله أدونيس في المكتبة الوطنية. أرسلت بنسخة إلى الشيخ عبد الرحمان شيبان رئيس الجمعية، وطلبت منه أن يقرا المحاضرة وأن ينشرها في صحفية البصائر الناطقة بإسم جمعية المسلمين الجزائريين لتطلع عليها العامة، لأني أعتقد أن هناك الكثير من الغوغاء ممن حرفوا وطوروا وحوروا ما قاله أدونيس.
 
فجرت هذه المحاضرة خلافا بين وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية، لماذا اعترضت وزارة الثقافة على استضافة أدونيس؟
 
بصدق أقول لك والى المستمعين والقراء بان وزارة الثقافة حاولت أكثر من ست مرات دعوة أدونيس في فعاليات الجزائر عاصمة للثقافة العربية، لكنهم لم ينجحوا في استقدامه. وحينما قمت بدعوته شخصيا واستجاب مشكورا وأنا أشكره فاعتقد أن هناك مسالة ذاتية بيني وبين وزيرة الثقافة خالدة تومي.
 
هل يعبر هذا عن أحد مظاهر الحد من حرية التفكير في الجزائر بالنظر إلى ما حدث؟
 
نعم، هناك انزلاق، وأشعر به وهو ليس في صالح البلاد. وكان على الجزائريين وهي تستضيف أدونيس أن نرسل برسالة إلى العالم العربي بأن هذه البلاد التي خرجت من العنف والدم والموت هي الآن قادرة على أن يكون تحت سقفها حوار جاد مع رموز الحداثة في الوطن العربي. لكن للأسف حول زيارة أدونيس اختلط الخطاب الديني والإصلاحي بالخطاب الشعري وهذا الخلط في "الفهوم" هو الذي يزعجني وهو ليس في صالح الجزائر وتجربتها الديمقراطية.
 
هل هناك خوف من طرح الأفكار الحداثية من هذا النوع؟
 
ليس هناك خوف بل هناك جهل والجهل ينتج الخوف. هناك جهل أيضا بالكتاب العربي للأسف وهو غير موزع بشكل جيد، وأغرقت الجزائر بالكتاب الديني الإيديولوجي المسطح، وظلت كتب الفلسفة، والحداثة والتفكير والسوسيولوجيا مغيبة مما يجعل الخوف قائم على قاعدة هذا الجهل.
 
قرأت خبر تنحيتكم كمدير للمكتبة الوطنية في الجزائر، هل يفسر ذلك كتدخل للوصاية (الوزارية) على حرية التفكير والنقاش الحر في الجزائر؟
 
أنا أقول إذا كانت تنحيتي هي بسبب محاضرة أدونيس فهذا فخر لي، لأنني أولا كاتب ومدافع عن حرية التفكير والتعبير وعن الكتاب في أي اتجاه سواء كان إسلاميا أو حداثيا. إذا كانت تنحيتي لهذا السبب فسأكون سعيدا، وقد بعثت برسالة إلى الرئيس بشرح مفصل لمحاضرة أدونيس مع شرح أساسي للأفكار التي قدمت في هذه المحاضرة.
 
ما الدافع إلى الخوف من الفكر الحداثي وقد شهدنا عديد من القضايا المماثلة في العالم العربي؟
 
أنا أقول بأن الحداثة يجب أن ترتبط بالديمقراطية، وهذه الأخيرة مرتبطة بدورها بالمواطنة، والمواطنة لا يمكن أن تتحقق بدون ثقافة وكتاب متنوع. لهذا السبب فإن انهيار الثقافة في العالم العربي بشكل عام هو الذي يؤسس لهذا الخوف من الأفكار الحداثية. أعتقد انه لا يمكن إصلاح العالم العربي دون سياسة ثقافية عميقة. في فترة طه حسين في الخمسينات مع كتاب "في الثقافة" وأيام احمد أمين مع"الفتنة الكبرى"، ومع وجود الأزهر كان هناك حوار ثقافي وهذا ما ينقصنا الآن. هناك فضائيات ووسائل إعلام لكنها استهلاكية والكتاب يمر بين بلد وبلد بخوف وفي شكل فوضوي والعالم العربي هو وحده من يمكنه رفع الخوف ورفض الممانعة من توطين الحداثة في هذا الوطن العربي.
 
كيف تقيمون مستوى التفكير والنقد الحداثي في الجزائر؟
 
هناك مبادرات للبناء ومبادرات للهدم في الجزائر. أقول بكل صدق، كانت المكتبة الوطنية منارة للفكر والحوار وباء الثقافة ودعم القراءة. لكن للأسف هناك شيء ما يدفع للسأم والملل عندما نجد مثل هذا الهدم والتكسير للمبادرات. ولعل قضية محاضرة أدونيس وما أثير حولها من نقاش يدل على أن هناك طابورا من المثقفين والمفكرين مستعدون للدفاع عن المكتبة الوطنية وحرية الفكر من كل التيارات فهناك مقاومة وممانعة كما يقول أدونيس.
 
نقلا عن إذاعة هولندا العالمية (28 أكتوبر 2008)
 
 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة

 

libyaalmostakbal@yahoo.com