03/03/05
|
سلطة الشعب الحقيقية
بسم الله الرحمن الرحيم
لاشك أن الهيكل السياسي التنظيمي الليبي " بمظهرة الخارجي " يعتبر افضل واقرب الهياكل، بل ربما أرقاها ، إذا تحقق ذلك عمليا وواقعيا في ممارسته واختيار أعضاءه، ويحقق للناس كافة البدائل المتوافقة والعملية لحل مشاكلهم وقضاياهم المختلفة علي الامد الطويل ، فهو يعكس ما يراه القايد ويسمي"الديموقراطية المباشرة" بحيث تكون السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب ممثلا في منتخبيه وممثليه ويحكم نفسه بنفسه من خلال المؤتمرات الشعبية التي تقرر السياسات العامة والبرامج والخطط التنموية وقرار واختيار المشاريع ثم تحيلها إلي اللجان الشعبية لتنفيذها وإنجازها.
هذه اللجان في حقيقتها هي التي أقسمت ظهر البعير، وآثرت في قراراته واليات التنفيذ في مختلف مرافق الدولة والمؤسسات الوطنية والكليات والجامعات حيث يتم إختيار أعضائها بالتصعيد العلني المباشر وليس الانتخاب السري من خلال صناديق الاقتراع كما أشار الأخ الكاتب القماطي وإذا لاحظت إن نسبة المشاركين الحقيقة من الشعب الليبي فإنها قليلة ولا تتناسب إطلاقا مع مجموع الشعب الليبي وفئاته الموخوله في المساهمة والانتخاب ، حيث يتم اختيار الوازرات وأعضاء اللجان بالتصعيد الغوغائي العاطفي والحماسي ولا يستند عن الكفاءة والمؤهلات والاستحقاق ، ناهيك عن النزاهة والأمانة والقدرة " فأولاالاولي للقايد والثورة هو الذي يؤهل المواطن لعضوية اللجان الثورية كما بين الخلل في مؤسسات الدولة في اجتماع مجلس الشعب في اجتماعه المنصرم في يناير الماضي وشكوى دكتور غانم من تدخل اللجان الثورية والأمنية والجاسوسية في أعماله وتخصصاته .
ما هي السلطة ؟ وما هي مصادرها وهل تنسجم وتتوافق مع الشرعية القانونية مع ما ترفعه الدولة بأن القران شريعة المجتمع ؟ وكيف نظرت هذه الشريعة الغراء للسلطة وأقسامها والممارسات الحقيقة لها ؟ وهل حقا أن الشعب بيده السلطة والثروة والسلاح ؟
* السلطة هي القدرة علي اتخاذ قرارات من معطيات وخيارات متوفرة مع إمكانية التنفيذ والالتزام بالقرارات سواء بالقوة والجبر أو بوسائل الإقناع والحوار والمداولات والمناظرات .
ورغم انه تحددت معاني وتعريفات كثيرة للسلطة ، وما مدي قيامها بما يلزم بها لمصلحة الشعوب ، فإنما تختلف في المعني والممارسة بين الأنظمة المتسلطة الديكتاتورية وبين الأنظمة الديموقراطية الذي يمثل الشعب فيها العامل الحاسم والمؤثر في اتخاذ القرارات ، فالسلطة في النظام الشيوعي والاشتراكي الذي أذاق شعوبه سبعين عاما من الدمار النفسي والانهيار الاقتصادي والتخبط السياسي والهزيمة العسكرية في أفغانستان فقد تمثلت في الحزب الشيوعي الحاكم باسم طبقة العمال البرولتيريا ، وهو وهم لم يكن العمال إلا طبقة مستبدة استأثرت بالسلطة والقوة لمصالحها الخاصة علي حساب مصالح الأمة مجموعة .
بخلاف النظام الديموقراطي حيث أصبحت موافقة الشعوب طرفا رئيسيا وعاملا حاسما في الموافقة واقرار القرارات والبرامج خاصة المصيرية منها والتي تؤمن لها الاستقرار والأمن ، وخير دليل وبعد استطلاع شعبي عام حصلت الإدارة الأمريكية الموافقة علي الخيار العسكري وشن حرب الخليج الأولى ثم غزو أفغانستان والعراق ، ليس ذلك فحسب ففي البلدان الديموقراطية وبناء علي دساتيرها لابد من جعل الشعوب صاحبة السلطة العليا لاقرارالقضايا التي تهم مثل التعديل في التعليم والطفولة والإجهاض والتوسع في استخدام الأسلحة الجرثومية وانتاجها، وقضية الاستنساخ وحتى غزو الفضاء وحرب النجوم .
وكل ذلك السلطات قد مارسها المسلمين ممارسة عملية وواقعية منذ فجر الدعوة المباركة فقد شاور الحبيب عليه السلام في أمور الهدنة والصلح وما صلح الحديبية العظيم النتائج ببعيد ، ولقد تحالف مع القبائل وصالح يهود المدينة وغير الخطط العسكرية ، ثم ممارسات الخلفاء الراشدين التي يوفرها دستور الأمة من قضايا الزواج والمهور والزراعة واستصلاح الأراضي والاسترقاق والحريات المدنية والعلاقات الخارجية ..... فهل شعبنا يملك حقا السلطة والثروة والسلاح ؟
* تنقسم السلطة في ظل المفهوم الإسلامي وتطبيقاته العملية إلى خمس : * السلطة التنفيذية * السلطة التشريعية * السلطة القضائية * السلطة المــاليــة * سلطة المراجعة والتقويم .
السلطة التنفيذية
يقوم رئيس الدولة أو الأمام باعتباره نائبا عن الأمة في مباشرة هذه السلطات في حدود أوامر الله وشريعته من أعمال مبدأ الشورى ومشاركة الجميع في فيه مع التشاور مع آهل الاختصاصات الأخرى في المجال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والزراعي والإداري .. وقضايا السلم والحرب والعلاقات الخارجية وإبرام العقود والمعاهدات وعقد الصلح والهدنة أو اصطلاحا في كل مما يخدم قضايا الشعب اليومية والمستقبلة وينظم شئونهم ويهيئ الدول نحو الاستقرار والرخاء والازدهار.
* ولو نظرنا إلي هذه السلطات وممارستها العملية والواقعية في عالم الواقع والمعاني والأهداف والغايات التي قامت من اجلها لوجدنا اختلافا جذريا ينافي ويناقض مصدر هذه السلطة التي ترفعها الأنظمة العربية والإسلامية اللهم في زوايا ضيقة للتخدير والتمويه وحجب الحقائق بحجج وذرائع وفتاوى مبتورة بعيدة عن منهجية السلطات المخصصة للدولة والغاية من وجودها أصلا .
فإذا نظرنا إلي الواقع الليبي فمقولة السلطة بيد الشعب فهي خرافة ووهم وتخدير وأكذوبة ابتدعوها ، فالواقع الليبي ووضعة المتأزم علي كل صعيد والضنك المعيشي " ناهيك عن الضنك الروحي والنفسي " الذي يعانيه المواطن والبطالة وتفشي صور الفساد والرشوة وصور الفقر والتسول والتخبط السياسي والإداري والاقتصادي ، ويكفي ما صرح به القايد في فشل الثورة خير دليل ليبرهن بان شعبنا لا يملك السلطة ولا الثروة ولاهم يحزنون .
ومن قراءة سريع حول هذا الموضوع ومما جاء في كتاب " الأحكام السلطانية " للمارودي آلاتي :
السلطة التشريعية :
الأحكام الكلية والمبادئ التي نصت عليها الشريعة " شريعة المجتمع " هي الركيزة والقواعد العامية لموضوع التشريع الإسلامي والهيكل الذي يمثل معالمه والضوابط التي تحكمه ، فالأصل في الشريعة الإسلامية جاءت للناس كافة لتحكمهم وتسوسهم في كل حالاتهم ، وليحكمها في شئون الدنيا والآخرة ووضعت الملامح والأحكام والمبادئ الرئيسية البارزة وتركت التفصيلات والجزيئات الفرعية لظروف وأحوال المكان والزمان وتطورات البيئة مستمدة روحها وعبيرها ونسيمها من الأصول الربانية الثابتة ومتفقه معها ، ونترك التفصيل لعلماء الشريعة والفقه لإبراز بعض من تلكم التشريعات العظيمة. هذه التشريعات سواء كانت تنفيذية أو تشريعات تنظيمية فيما يتعلق بأمور الناس والحياة في سيرها ومرورها وشوارعها وأطعمتها ومدنها وسواحلها ومدارسها .. الخ يمكن أن توضيحها وتجليتها بالروح المعاصرة والمتغيرات الحاصلة علي كل صعيد .
الســـلطة القضـــائـية
الأصل أن رئيس الدولة أو أمامها أو زعيمها هو الذي يتولي تعيين القضاة بصفته نائبا علي الشعب ومختارا منهم ، وله صلاحية الأشراف علي أعمالهم وعزلهم بهذه الصفة ، ولكن لا يعتبر القاضي المعين نائبا علي الرئيس لنما نائبا علي الأمة أو الشعب ، ولذلك رأي الفقهاء أن القضاة لا يعزلون عن عملهم بموت القايد أو الانقلاب عليه أو عزله ، فالقضاة سلطة مستقلة مصدرها الأساسي الآمة والشعب ، حيث أن مهمة هذه السلطة هي توزر يع وتحقيق العدل بين طوائف الشعب والنظر والحكم في المخاصمات والمنازعات والمظالم والجرائم الجنائية والسياسية والسرقات والحدود المشروعة واستيفاء الحقوق والنظر في الأوقاف المالية والعينية.
وديننا الحنيف أوجب علي القضاء أن لا يجعلوا لأي أحد عليهم سلطانا في قضائهم ولا يتأثرون إلا للحق والعدل والتجرد من اللهوي والأطماع الشخصية والقرابة والصداقة والمحاباة حيث " أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " النساء 58.
فالقضاه مستقلين في عملهم ومهامهم و لاسلطان عليهم إلا الله وضميرهم ، فقد روي آن إبراهيم بن اسحق قاضي مصر عام 204ه اختصم إليه رجلان فقضي علي أحدهما فشفع إلى الوالي فأمره الوالي أن يتوقف في تنفيذ الحكم ، فجلس القاضي في منزله حتى ركب أليه الوالي وسأله الرجوع إلي عمله فقال لا أعود إلي ذلك أبدا ، ليس في الحكم شفاعة " واسطة وتدخل ملكي أو ثوري " .
ولقد قضي أيضا شريح القاضي علي عمر بن الخطاب وهو الخليفه ، وقضي علي علي بن طالب وهو صاحب السلطة ، وكلاهما ترافع إليه وهو يعتقد انه علي حق .
فأيـــن هـــذا من ذاك ؟
الواسطة والوجاهة والمحسوبة والتدخل السافر في الأحكام وتنفيذه أو إلغائها أو تحويرها بما يتلاءم أو يرغب صاحب السلطة ، فهل للشعب السلطة التشريعية ؟
الشعب بيده السلطة والثروة والسلاح .....
والقايد أوشك أن يلغي فريضة الحج لان آل سعود يتحكمون في مكة ويرفضون توزيع الكتاب الأخضر والمنشورات الثورية والمظاهرات ، وممثلي القايد يعينون الأمام للمساجد وتعد لهم خطب الجمعة والأعياد ، وتقفل المساجد بعد الصلوات المفروضة وتوضع آلات التصوير والفيديو والتصنت في الداخل والخارج خاصة بعد صلاة الفجر والعشاء ، واختفي الشيخ البشتي في ظروف لا يعلمها إلا الله ، ومنعت المساجد في أن تؤدي دورها في التربية والتعبئة الفكرية والجهادية والسياسية والعسكرية والجسمانية والروحية والخيرية والدولية ...
وعلي الصعيد الفكري ، اجبر طلاب الثانويات والجامعات بحفظ الكتاب الاخضر وسمح لكل صوت ناعق من كتبه وأجهزة أعلام بتشوية الإسلام وحصره في دوائر ضيقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
* وعلي الصعيد الاقتصادي ، فحدث ولا عجب فبددوا الثروات ومدخرات الناس وتأخرت الرواتب وعمت البطالة والفاقة والفقر ودمر القطاع الخاص والمنافسة الشريفة ولو راجعنا بعض الدراسات الاقتصادية لرأيت العجب فكيف يكون الدخل القومي للمواطن الليبي لا يتجاوز بضعة الآلاف ــ فأين تأمين الدولة لشعبها المأكل والمشرب والملبس والمركوب والمنكح ، حقوق كل مواطن ليبي الأساسية ... كيف ؟
فكيف يسمح للشعب الليبي وبيده السلطة أن يحارب الله ورسوله بالمعاملات الربو يه الماحقة للبركة في الدنيا والمدمرة الهالكة في الآخرة ؟ كيف يسمح الشعب وبيده السلطة تفشي صور الفساد والرشوة والتلاعب بالعطاءات والحسابات وانتشار المخدرات وتعري الأجساد والأعلام الساقط المبتذل المنافي للحشمة والآداب والأعراف والتقاليد * أما علي الصعيد السياسي والتعليمي والصحي والعسكري فحدث و لاحرج ، فيكفي شهادة الواقع وتناقضها وكذبها بأن السلطة بيد الشعب ، أموالا بددت ، أمال وأحلام وتطلعات أجهضت ، ونفوس بريئة ازهقت ودسائس ومؤامرات حيكت والسلطة والسلاح بيد الشعب .. فكيف ؟
الســلطة المــاليــة:
وختاما
لو نظرنا إلى السلطة المالية حيث أوجدها الإسلام ولم تكن معروفة من قبل ولم يعرفها العالم إلا في هذا القرن ، فقد كان الرسول الحبيب صلي الله عليه وسلم الرحمة للعالمين يعين ذووي التخصصات المختلفة حسب الكفاءات والمؤهلات من القدرة والقوة والأمانة ، فعين عمالا مستقلين بأمر القضاء ، وآخرين بالإدارة وعمالا يستقلون بأمر الصدقات في جمعها وصرفها في وجوهها الصحيحة وما بقي منها فيرجع إلى الخزينة العامة " بيت المال " كما كان يعين القادة والأمراء العسكريين والمبعوثين والسفراء ...
وبعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وكثرت وتنوعت مصادرها المالية اتسع كذلك اختصاص القائمين علي السلطة المالية بحيث شمل الغنائم والفيء والخراج والجزية إضافة إلي الصدقات والزكاوات المفروضة ، ويوزع المال علي الأفراد نظير خدمات ومهام بعينها ، وما كان من حق جميع أبناء الشعب أرسل إلي بيت المال ليوزع علي الجميع نصيبا معلوما ، حتى لقد فرض الفاروق رضي الله عنه في بيت المال " خزينة الشعب " فروض شهرية لكل أبناء المجتمع من رجل وامرأة ولكل صغير وكبير ، ولا عجب انه فرض لكل طفل مولود لمجرد ولادته ... وظلت هذه الفروض قائمة لزمنا طويلا حتى المقولة الكاذبة والخادعة .. السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب ...
واللبيب بالإشارة يفهم ، والله المستعان.
احمــد بن احمد بوعجيــله
محررم1426ه .. مارس 2005م
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()