13/01/05
|
د/ جاب الله موسى حسن
كيف تتخلى الإمبريالية عن أسوأ ديكتاتور عرفته البشرية؟!
النظام الليبي القائم، هل هو ذاهب في القريب أم باق ويتعافى ،هذا هو السؤال ،ولكن إجابته،كما تبدو الأحداث اليوم، هي إجابة عن سؤال فيه من الطلاسم والأحجيات اكثر مما فيه من معلومات مؤكدة.بعض الاخوة في منابر البالتوك الحرة يتحدثون عن مستقبل ليبيا بعد خمس سنوات من الآن!! ونحن نقول من جانبنا لن يأتي ذلك الوقت إلا وقد ولد نظام ديمقراطي تعددي ومتسامح في ليبيا.
الولايات المتحدة والدول الأوربية،لم تظهر حتى ألان سياسة واضحة تجاه النظام الليبي،بينما يحاول النظام الليبي أن يقدم نفسة لليبيين في الداخل، وذلك بالحديث عن تكوين لجان مهمتها التخاطب مع ليبيي الشتات دون يدرك هذا النظام بأن معارضة اليوم تختلف اختلافا كبيرا عن معارضة ألامس!!
على صعيد الولايات المتحدة ،فإن وسائل الإعلام الأمريكية تؤيد وتؤكد ما أعلن عنه الساسة الأمريكيين في السابق وهو عدم قبول هذا النظام بوضعه الحالي لما يسببه أولا من فقر وحرمان واضطهاد وقمع منظم لقطاعات واسعة من الشعب الليبي، ولما يضمره من شر تجاه شعبه وجيرانه والمتمثل في سلوكه السياسي الأرعن والغير منضبط ثانياً العمل الجاد على الإطاحة به هو سياسة قد لا تكون معلنة، والمعلومات هنا وفيرة ومنشورة ، فالقذافي اصبح العدو الشعبي لدى الرأي العام العالمي والأمريكي بما سببه ويسببه من عنت وقسوة.
الصورة المتناقضة الأفريقية والدولية والغير الواضحة على اقل تقدير والتي يجسدها السلوك السياسي لنظام القذافى ، تحمل رسائل عديدة متناقضة هي ما تستوقف المتابع للمسرح السياسي في شمال أفريقيا وتجبر على طرح هذا السؤال: هل نظام القذافي باقٍ أم ذاهب، وإذا بقى ما النتائج المترتبة على ذلك،وإذا ذهب فمن البديل؟ دراسات مستفيضة أكاديمية وسياسية قدمت في السنوات الأخيرة للإجابة عن هذا السؤال، إلا أن الملاحظ انه لم يكن في وقت مضى منذ تورطه في الإرهاب الدولي أن يبرز التساؤل بقوة عن الذهاب والبقاء ويتساوى الاحتمالان كما هو اليوم.والتفاصيل كثيرة في هذا الأمر،فان من الملاحظات العامة والمكررة وواجبة التحليل هي القاعدة القائلة أن نجاح النظام الليبي في سياسات معينة هي بالضبط محط فشله!!
لنبدأ بقصة الإيدز الذي أصاب أطفال بنغازي، وما يلاقيه الليبيين من مشاكل وتجويع وإفقار منظم, ناهيك عن ازدياد معدلات البطالة بشكل ينذر بفاجعة وطنية. كلها قصص تعكس بشاعة نظام القذافي في انتهاج استراتيجية استثمار الألم. استراتيجية جعلت الرأي العام العالمي يلتفت إلى هذه القضايا ، وتتحدث وسائل الإعلامية المأجورة عن معاناة الشعب الليبي، رغم معرفة القاصى والداني بان النظام هو سبب في كل هذا البلاء!!
ولكن هذه الصورة البشعة لها وجه آخر،إذ استخدم النظام الليبي أطفال بنغازي في حربه الإعلامية من دون رحمه وبشكل فظ وغير إنساني.ومن الثابت لأهل الخبرة والمعلومات أن الأدوية والعلاجات متوافرة منذ زمن طويل في ليبيا،بل أن بعض من ذهب إلى ليبيا من عرب و أجانب جاء يقول أن بعض هذه الأدوية يمنع وبعضها يترك في المخازن حتى انتهاء الصلاحية. أن مشكلتنا عزيزي القاري هو حب نظام القذافى للسلطة والتشبث بها إلى هذه الدرجة من القسوة... تعطش للسلطة دفع النظام إلى تعريض أطفال لا حول ولا قوة لهم ولا لذويهم للإبادة والقتل حتى يعرف الغرب أية مأساة يعانيها الأطفال،كما يدعي النظام .نظام سرت الإرهاب استخدم كل الطرق المتاحة إنسانية أو غير إنسانية لتحقيق أغراضه الشيطانية،وبالتالي فان التسامح معه يعنى توقع لا محالة إبادة أخرى وبشكل آخر لشعب عانى طويلا من الويلات والحروب الرعناء والتصفيات الجسدية على يد اللجان الثورية ، لذلك فان هذا التوجه يذهب إلى القول أن التخلص من هذا النظام وبأسرع وقت ممكن هو الأفضل لليبيين وأطفال ليبيا أيضا، وبالتالي فان الدعاية التي قادتها وروجت لها المجلة المسماة"لا"حول مرض الموت التي حقن به أطفال بنغازي يمكن أن تنقلب إلى ضد ما أراد منها هذا النظام الداعر!!
نظام مثل هذا لا يتردد في إبادة الأطفال وحرق أكباد ذويهم، لا يتردد في المستقبل بفعل أي شيء خارج عن القوانين والأعراف،والسلوك الإنساني السوي.تحت عنوان "الإيدز بين أطفالنا إهمال أم جناية"مجلة "لا" العدد 78 نوفمبر 1999 ملف العدد. كان الأجدر بمجلة "لا" أن تكتب عنوان المقال بالشكل التالي: الإيدز بين أطفالنا إهمال أم خيانة؟ مجلة "لا" حاولت جاهدة ترويج استراتيجية استثمار الألم من أجل الحصول أو استمالة الرأي العام الغربي وخاصة الأمريكي والمعروف عنه بالشفافية والتعاطف مع الشعوب المقهورة ولكن دون طائل. فالنجاح الذي تعتقد مجلة "لا" بأنها حققته من جراء كتابة التقارير عن أطفال بنغازي المصابين بمرض الإيدز هو في الحقيقة دليل مادي على قسوة النظام وصلفه واستهتاره بالإنسانية جمعاء، وعندما ترفع الغمة عن الشعب الليبي سوف نرى كم هي الأجهزة القمعية ضالعة في هذه الجريمة النكراء؟!!
الصورة الثانية هي حقوق الإنسان الليبي،لعل الوضع الدولي ابتداء بأفغانستان ،ومروراً بتيمور الشرقية ،بدأ يؤكد أن مبدأ دولياً جديداً يترسخ،وهو مبدأ عكس الفكرة القديمة والقائلة:"عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول" وهو مبدأ يستوجب التدخل العالمي النشط تجاه وقف انتهاكات حقوق الإنسان وانعدام الديمقراطية القائمة على التعددية السياسية وحرية الفكر والتفكير. ومن ثم لم يصبح في مقدرة أحد أن يتحجج بالشئون الداخلية والسيادة ،كي يعطي نفسه رخصه دائمة للقتل والتشريد في شعب اعزل لا يستطيع ولا يملك الوسائل للدفاع عن نفسه، ودون أية ضمانات مهما كانت أولية وبسيطة!! وتاريخ نظام سرت البلاء مشهود له في انتهاكات حقوق الإنسان ، وفى التصفيات الجسدية داخل الوطن وخارجه ، في نهاية السبعينات طُرد عشرات الليبيين لمجرد الخلاف في الرأي ، وطرد رجال الأعمال الليبيين المشكوك في ولائهم ، وهناك اليوم آلاف من هؤلاء يعيشون عيشة الضنك والفقر والتهجير. والدراسات التي تمت على أوضاعهم تثير أن لم يكن اكثر فبالتساوي ما تعرضه أبواق الدعاية القذافية بقيادة مجلة "لا" على العالم من مأساة أطفال بنغازي، وهذا التاريخ يمضى ليشير إلينا بشكل واضح لا يقبل التشكيك معاناة الليبيين الذين هاجروا موطنهم الأصلي.أو الذين اعدموا أمام منازلهم وفى محارب الجامعات وفى الميادين العامة بواسطة حملات منظمة أشبه بحملات التطهير العرقي التي شاهدتها يوغوزلافيا!!
أما الشاهد الأكبر على الإرهاب المنظم التي تقوده شراذم اللجان الثورية فهو تلك العشرات من اللاجئين الليبيين، مشتتين في بقاع العالم يتشوقون لرؤية وطنهم،ويرجون الفرج صباح مساء, طفلهم يحلم بحضن جده،ورجلهم يحلم بقبر في تراب بلده وموت مسالم بين ذويه،وهى من ابسط المطالب الإنسانية.أمام هذا العنت والإرهاب المنظم فإن الحديث عن عدم التدخل في الشئون الداخلية الليبية،هو نفاق سياسي غير مبرر تحت أي شعار كان.اقف أمام بعض من يبرر الوضع الليبي القائم بتبريرات مختلفة، منها أن هناك انتهاكا لحقوق الإنسان في أماكن أخرى من العالم خصوصا العالم العربي،وهو قول ليس بعيد عن الحقيقة ،إلا أن درجة الانتهاك ومستواه وطبيعته في ليبيا اليوم يفوق الخيال كما يفوق أية ممارسات أخرى،وما مطاردة المجتمع الدولي للمسئولين الليبيين وتهرب النظام الدائم من العدالة الدولية إلا دليل عن عمق هذه الانتهاكات ومستواها وطبيعتها البشعة.فان كانت هناك درجات من التسامح مع بعض منتهكي الحقوق الإنسانية في أماكن أخرى،فإن ذلك لا يبرر التسامح مع منتهكي كل الحقوق الإنسانية!!
من التبريرات الغريبة وربما الساذجة التي تصدر عن بعض القنوات الإعلامية المأجورة كقناة الجزيرة، القول أن ليبيا تقف أمام التوسع الإمبريالي!! عجبي!! وهنا تبرز تساؤلات عدة منها ما الثمن الذي يجب أن يدفعه الشعب الليبي وأطفاله لهذه الوقفة ذلك أن افترضنا أن هناك وقفة!! وهو افتراض غير صحيح ،تدعمه أدلة كثيرة دامغة ،منها التاريخي، ومنها العملي ،فغير الشعارات ،لم يقدم النظام الليبي أية تضحيات في مواجهة الإمبريالية العالمية!! كما أن القائلين بذلك القول لا يعرفون نظام القذافي جيدا ،إن ما يقوم به القذافي هو في الواقع خدمة للإمبريالية!! وهل الإمبريالية تجد أفضل من رجل مأفون وأخرق مثل القذافي لكي يسهل عليهم تصوير العرب بهذا النموذج الإرهابي الكريه!!ويأتي البعض ليقول مسايرا أن هناك برنامجا علميا طموحا في ليبيا يراد ضربه ،متناسين أن الشعوب الخائفة والمقهورة، لا تقدم علما ولا إنتاجا علميا في أي ميدان ،انظروا إلى الرايخ الثالث في ألمانيا الهتلرية أو الإمبراطورية السوفيتية السابقة، فلكم فيهما مثال، ومنهما الدرس التاريخي لمستفاد!!
تأهيل نظام سرت الشر سياسيا إذ حصل يعني كارثة على الشعب الليبي وشعوب العالم المحبة للسلام، بل سيرمى بظلال كئيبة على طموحات الإنسان الليبي ويمنعه من السير حثيثا مع شعوب الأرض طالبا الحرية والتقدم والانعتاق. تأهيل مهما طال فهو مؤقت ،سيكون لفترة قصيرة مثل الفترة الستالينية في تاريخ الاتحاد السوفيتي السابق ينظر أليها العالم بحسرة لأنها حملت إلى القبور ملايين من البشر الأبرياء ،فهل ننتظر أن يذهب مئات الليبيين إلى العالم الآخر لنعرف أن نظاما كهذا معادٍ للبشرية!!
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()