13/03/05
راجع أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى
|
د/ جاب الله موسى حسن
الفجر الكريه!!
في كل عصور الانحطاط التي مرت بها البشرية ،شهد الإنسان ألوانا من التعذيب والاضطهاد لأسباب دينية أو سياسية أو اجتماعية أو فكرية،ولكنه لم يشهد أبدأ تعذيباً بدون سبب إلا لشهوة التعذيب إلا في سجون القذافى !! و أكبر من تعرضوا لتعذيبه هم من خالفوه في الرأي من المفكرين والأكاديميين ،وحين يكون الأمر كذلك فأن ذلك يسقط تلقائياً الشعار الذي يتشدق به القذافي والذي ينسب فيه نظامه إلى الديمقراطية الشعبية !!فلم يكن هذا النظام إلا نظاما نازياً فاشياً من الطراز الأول الذي يتفوق فيه القذافي على هتلر وموسوليني!! فقد كان للزعيمين الفاشيين أسبابهما للتعذيب، ولكن لم يكن لدى القذافي أي سبب،إذا كان يكفيه أن يترك الوطن ويرحل إلى الجحيم!!
ويسرد المفرج عنهم الذين تمكنوا من الفرار إلى ارض الكنانة حكايات غريبة وشاذة، حكايات تقشعر منها الأبدان، ابتداء بتسميتهم "بالمفسدين في الأرض" وانتماءا باستحالة التعرف على بعضهم البعض. حيث يقول أحد المفرج عنهم في مكالمته الهاتفية يوم الخميس الماضي أي 3-11-2005 كان من الصعب على المرء تبين تلك المخلوقات الغريبة أو أولئك الآدميين الذين كنا نعرفهم من لحظات ,فقد تغير شكلهم تماماً : وجوه ملتهبة دامية و متورمة ،مليئة بالكدمات بحيث غابت ملامح الوجه المألوفة. وقد كان على السجناء بعد حفل الاستقبال الحافل بالضرب والتعذيب الذي انتهى بهذه الأوضاع المزرية لأكاديميين لهم مكانتهم الفكرية والاجتماعية في المجتمع أن ينخرطوا في حياة رسمها خبراء التعذيب ، والتي كان مستحيلاً علينا أن نتصورها أو نصدقها لولا أن من يسرد هذه الحكايات قد كابدوها وعاشوها، وكلهم ممن لا يتطرق الشك إلى روايتهم فلم يسردوها للتشنيع و إنما سردوها تسجيلاً للتاريخ لا غير.!!
حيث يقول هؤلاء السجناء في مكالمتهم الهاتفية بعد حفل الاستقبال الحافل بالتعذيب و "الفلقة" والإهانات، بدأنا نعي الواقع الذي نعيش فيه، وبأن ما حدث لنا لم يكن مفاجأة "في البادية لم نكن نتصور أن تصل بشاعة الحملة الهستيرية التي شنها زبانية معتقل أبو سليم إلى إعادة الإنسان إلى بيئة بدائية. وخاصة عندما يقدم الحراس الطعام في إناء واحد أو "صونيه" واحدة على حد تعبير المفرج عنهم. ويتركوننا نتزاحم ويشد بعضنا البعض حول هذه "الصونية" والتي يوجد بها قليل من المكرونة. مشاهد حولت كل منا إلى إنسان بدائي فاقد كل مقومات الآدمية وهذه كانت بداية محنتنا ،فقد يطلب السجان منا الوقوف صفاً، والخروج جرياً! ونجرى لنجد أنفسنا بين صفين من الحراس ينهالون علينا ضرباً وركلاً حتى نصل إلى المكان الذي به الطعام . كان على كل منا أن ينحني ليلتقط ـ وهو يجري والضرب ينهال عليه يلتقط كل منا قطعة من مادة متحجرة ،تبين فيما بعد أنها مكرونة من الغذاء! ثم يتناول بعد ذلك رغيف واحد من الخبز وهو عشائه وإفطاره. ومفروض أن تتم كل هذه العمليات تحت وابل من الضرب وأثناء الجري, ثم يعود بعدها كل منا ـ جريا ـ إلى عنبره ـ وسط نفس الصفين من الحراس،وويل لمن كان يسقط منه شيء وللنظرة الأولى إلى الوعاء الذي يحوي الطعام ،لم يكن المرء يتبين فيه شيء سوى كمية من التراب والذباب! بعض من المكرونة العفنة من النوع الذي يقدم للماشية. لقد تعمدوا أن يتركوا الأوعية مكشوفة مدة من الزمن إلى جوار الباب ، حيث تهب الأتربة التي تراكمت فيها واختلطت بحبات المكرونة،فكونت عجينه غريبة الشكل ولكن لم يكن هناك مجالا لازدرائها ! وإلا فالموت جوعاً!!
ويفتح الباب أثناء الليل مرة أخرى يدوي نفس الصوت وبنفس الأسلوب لكي نلتقط طعام العشاء وهو مجرد أعشاب غريبة مغلية في ماء،تراكم عليها الغبار،وتساقط فيها الذباب, وبعد محنة الطعام تأتي محنة النوم, وفي ذلك نتذكر الفراش الذي صرف لكل منا في المعتقل وهو عبارة عن نصف فراش رقيق من الإسفنج يطلق عليه المفرج عنهم من الأكاديميين اسم "ارغان" . ولكن التعليمات التي صدرت للمعتقلين كانت تقضي بأن يظل هذا الفراش مطويا وموضوعاً أمامنا ،وعلينا أن نجلس القرفصاء إلى جوار الحائط بقية النهار، حتى يأتي وقت التمام في المساء،وحينئذ كان لنا أن نفرش نصف "الرغان" ،ويلف كلا منا نفسه في بطانية قديمة ومهلهلة ، وينام !!
ويقول هؤلاء المفرج عنهم من الأكاديميين كانت ليالي لا تنسى فإنه على الرغم من المرحلة الطويلة التي قضيناها في المعتقل وبرغم الضرب المبرح عند وجبتي الغذاء والعشاء،وبرغم أن المرء لم ينام لحظة واحدة طوال فترة الاعتقال ،بل أنه لم تتح له فرصة تسترخي فيها عضلاته المكدودة طوال تلك الفترة ـ برغم كل ذلك ،لم يستطيع المرء أن ينام ملأ جفنيه، فعندما يحين الظلام يبدو كل منا يشعر بأنه يسقط في هوة سحيقة بعيدا… بعيداً عن الحياة, كل شيء كان يربط المرء بالحياة ،مثل الأهل و ألام والأخت أو الزوجة، كان يستعصي على المخيلة، كأنه خيالات عبرت ذهن المرء يوما, ثم يأتي علينا الفجر في معتقل أبو سليم سيئي السمعة. كم كان الفجر في ذلك المكان كريهاً، على عكس الفجر خارج السجن، فالفجر خارج السجن ساحر أخاذ، ولكنه في هذا المكان كريه، أنه بداية يوم من العذاب، بداية يوم من الضرب الوحشي والقهر والإهانات!! كان لزاما علينا أن نصطف كل صباح لنغسل وجوهنا ونمارس آدميتنا! كنا نستيقظ على صوت وحوش المعتقل أصوات كلنا نود لو أن الليل استطال طولاً لا يطلع معه فجر حتى لا نسمعها, وحالما نستيقظ ،كانت التعليمات هي أن نلف الفراش، ونضعه أمامنا، ثم نجلس القرفصاء بجوار الحائط، والبرودة تسري من الأرض إلى أقدامنا العارية،إلى الأطراف فإلي بقية الجسم وينتظر كل منا دوره في الذهاب إلى دورة المياه الموجودة داخل العنبر!!
"كنا أربعين نقطن عنبر واحد. وكانت الدفعات تتاوالا على المعتقل واحدة بعد الأخرى ,وما يكاد يحل دور واحد فينا لذهاب لدورة المياه ،حتى يُفتح السجن ونستعد لما يسمى بالتفتيش الصباحي, فيفتح باب العنبر ،ويتقاطر إلى داخله عدد من الحراس، مسلحين كلهم بالهراوات والبنادق.وكان علينا أن نقف ووجوهنا للحائط،ثم ننحني ويدور كل منا حول نفسه، والضرب ينهال عليه: على رأسه،على كتفيه، على ظهره وجنبيه, وتستمر العملية في كل عنبر حوالي عشرين دقيقة،ينال الواحد منا خلالها ما لا يقل عن عشرين ضربة,يلي ذلك ما يسمى "بطابور الرياضة" يخرج المعتقلين لينتظموا في طابور،ثم يجرون بالخطوة السريعة حول الفناء لمدة ثلاثين دقيقة، وعليهم طوال ذلك أن يكرروا بصوت عال جماعي : "شمال …يمين" والسجانون منتشرون حولنا ويضربوننا وفوراً، ودون لحظة نسترد فيها أنفاسنا اللاهثة، علينا أن نمارس رياضة شاقة، كتمرين الضغط، وفيه يتمدد الإنسان بموازاة الأرض ،مرتكزا على أصابع قدميه ويديه،ثم يهبط بجسمه حتى يلاصق صدره الأرض، ويعود فيرتفع مستندا على الذراعين, وكان علينا أن نكررها ما لا يقل عن خمسين مرة وبسرعة وكثيرا ما كان الحارس المشرف يتركنا في وضع ارتكاز على الذراعين المثنيتين وأصابع القدمين ،مدة طويلة، حتى تتصلب عضلاتنا ،ويقف الحراس يتلذذون بمرآنا، وكل منا يجاهد ألا تخونه ذراعاه،فينطلق عليه الحراس بالعصي, وينتهي الطابور بعد عدد من التمرينات المرهقة بتمرين الزحف و ذلك بأن نجلس القرفصاء معتمدين فقط على أصابع القدمين، وأيدينا مثبته في خواصرنا ، ونقطع الفناء جيئة وذهاباً ما لا يقل عن عشر مرات، وبهذا الوضع ،والعصي تتابعنا وبانتهاء طابور الرياضة تنتهي جولتنا في هذا اليوم ونستعد للجولة الثانية في اليوم التالي... وهكذا وهذا هو برنامجنا اليومي في معتقل أبو سليم سيئ السمعة !!
د/ جاب الله موسى حسن
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()