20/03/05
|
د/ جاب الله موسى حسن
القذافى والسباحة ضد دمقرطة الشرق الأوسط!!
الديموقراطية أشبه بالنهر الذي يسير في اتجاه واحد إلى الأمام، لا يتوقف ، ولا تفلح كل قوى الشيطان والتخلف في إيقافه أو العودة به إلى الوراء… قد يتعثر أحيانا فوق الصخور الناتئة، وقد يبطئ في سيره وهو ينساب في منخفض من الأرض، لكنه أبدا في تقدم عنيد للأمام يجرف أمامه الأشجار والأعشاب و الطحالب.. لا شيء يبقى ثابتا أمام زحفه المستمر .. في كل خطوة يخطوها يوجد واقعا جديدا وبيئة متميزة .. بين ضفتيه تتغير البيئات والمكونات الطبيعية بصورة غير مرئية للذين يقفون على الشاطئ وعيونهم مشدودة إلى الوراء متشبثين بعالم لم يعد له وجود ، وكلما عز عليهم تحويل مجرى النهر إلى الوراء ازدادوا شراسة وعنادا وغلوا!!
العقلاء هم وحدهم الذين يدركون خطورة ربط القيم والمبادئ بعناصر زائلة في مواجهة تيار الديمقراطية الجارف.. والقيم المرتبطة بكيان زائل تصبح عرضة للزوال.. ولعل هذا ما يعنيه فلاسفة الفكر حين يتحدثون عن اختلاف مقتضى التوجهات الفلسفية بين عصر وعصر وبيئة وأخرى.. وذلك يفصل بين القيمة كمعيار أزلي لا يتغير، والممارسات العملية السائدة في عصر ما وبالتالي فان المتزمت هو الذي يتمسك بالمبادى والقيم،بل هو الذي يصر على ربطها بممارسات عهد معين!!
والديمقراطية والانفتاح على الآخر هي القيم التي لا ترتبط بأسلوب أو بتقليد أو نظام حكم معين وغير ذلك مما يخضع لسنة التغير والتبدل، وأنما هي معايير للحكم على كل ممارسة في أي زمن وفى أي بلد . والذين حسبوا أن ديمقراطية اللجان الشعبية!!" يمثل انعكاسه لمسيرة العالم نحو الديمقراطية واهمون. وفشل ما تم تسويقه بواسطة ما يسمى "بالمثابة العالمية" باعتباره مظهراً ديمقراطيا لا يمثل أي وجه من وجوه الديمقراطية، بل هو نموذج للصورة الخاطئة للديمقراطية في بلد لا يتجاوز عدد سكانه الستة ملايين نسمة!! وبالتالي فإن تطبيق ما يسمى "بالديمقراطية الشعبية" قد يكون عقبة كبيرة تعترض نهر دمقرطة الشرق الأوسط لكنها أبدا لن ترجعه إلى الوراء. ما فعله القذافي بخزعبلاته وترهاته هو انه واجه المسيرة البشرية نحو الديمقراطية باختيار صعب إلى أقصى الحدود، وبث أملا ـ أوشك أن يخبو ـ في نفوس مروجي الفكر القهري المتخلف وممارسيه، ولكنه أتاح للبشرية أيضا أن تتبصر بعض حقائق أساسية تعين على إنجاح المسيرة وتصحح بعض المفاهيم الخاطئة عن الديمقراطية. اقتداء بالمثل القائل "رب ضارة نافعة" فديمقراطية القذافي تحمل كل سمات القهر والتخلف والإرهاب والمتاجرة بالمفاهيم والإنسان، إلغاء البرلمان والقضاء على المؤسسات الدستورية ومصادرة الحريات وتأميم الصحافة واعتقال المفكرين وحصار المدن وتجويع أهلها وإفساد الحياة العامة .تلم بحذافيرها سمات نظرية القذافي الإرهابية ونظرته للديمقراطية!!
وكان على العالم أن يختار بين قبول ترهات القذافي ومفهومه للديمقراطية أو يرفضها باعتبارها خرقاً واضحاً وفاضحاً لكل المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان ، وقد اتخذت دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة العالم الحر وعقل القرية الكونية في اضطرار لا يخلو من تصميم قاطع وحازم برفض ما يدعو إليه القذافي من انحرافات بما يترتب عليه ذلك من زيادة ضغوط إذا لم يغير نظام طرابلس من سياساته القمعية. وهى تدرك _ أي الولايات المتحدة الأمريكية_ كمغيثة للملهوف أن ذلك يفسر باعتباره تضامنا مع شعبنا المجوع والمحاصر... شعب يرفض الديكتاتورية باسم الديمقراطية... ومن ناحية أخرى فان قبول أفكار القذافي بأي مبرر يتعارض بصورة أساسية جادة مع التوجه العالمي نحو الديمقراطية.واستثناء القذافي أو التغاضي عن ما يقوم به من تلويث لمفهوم الديمقراطية قد يفتح الباب أمام الآخرين ويشكك في نيات التحرك الديمقراطي السليم باعتبار أن ما يقوم به القذافي هو مجرد حيلة غريبة مرائية وانتقائية مزدوجة المعايير، وقد يشجع على ظهور ديكتاتوريات أخرى تسعى لامتلاك أسلحة جرثومية وبيولوجية. واخطر من ذلك فإن قبول فكرة اضطلاع حكم رجل مافون يقود نظام عشائري مارق متخلف بالسير نحو الديمقراطية الحقيقية هو قبول للزيف والتناقض ـ فالديمقراطية لا تتحقق ولا تتطور ولا ترسى قواعدها إلا بممارستها عمليا بكل ما يحف التجربة من أخطاء وعثرات .. فالحرية ليست منحة أو منة من أحد وانما هي ما يكتسبه الشعب بالجهد والإصرار والتضحيات . وعليه فان طلب" الإصلاحيين" من نظام القذافي أن يتفضل ويتيح مناخا للحرية ضرب من الوهم العاجز!!
الانكسار والانبطاح والمشين الذي يعيشه نظام القذافى ألان هو نتاج عن الاضطراب السائد في مفهوم الديمقراطية. فالديمقراطية تقوم على اختيار الشعب الحر لحكومته عن طريق صناديق الاقتراع ، ولكن مؤتمرات شعبية وتصعيدات قبلية لا يمكن أن تحقق هذا الهدف . كما أن أي إخلال بمبادئ الديمقراطية والمتمثلة في الحرية واحترام الدستور والقانون وحقوق الإنسان يعتبر انقلابا على الديمقراطية ،حتى وان لم يكن عن طريق انقلاب عسكري ، وبالتالي فان انتهاك أي نظام لمبادئ الحكم الديمقراطي يجب أن يوضع في خانة الدول الداعمة للإرهاب والدكتاتورية ويجب التعامل معه على هذا الأساس!!
د/ جاب الله موسى حسن
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()