الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

منبر الكتّاب

27/03/05

 

 

 

 د/ جاب الله موسى حسن


 

هل ليبيا مؤهلة للديمقراطية؟!

 

يشغل مفهوم الديمقراطية،كنظام للحكم أو آلية له، حيزاً كبير في اهتمامات النخب السياسية وأوساط الرأي العام في دول الغرب الديموقراطي. وهى بالنسبة لقوى المعارضة الليبية والشعب الليبي،مدار البحث في هذا المقال،بل تشغل المقام الأول في الاهتمام بعد الخلاص من نظام سرت الطغيان!

 

وعلى رغم أن نصوص الاتفاقات السياسية والتحالفات لقوى المعارضة الليبية منذ 1980s حتى الآن تنص على اتفاق هذه القوى على ضرورة إقامة نظام تعددي يعتمد على إرادة الشعب وفق انتخابات حرة نزيهة بأشراف الأمم المتحدة ،فإن الموضوع لم ينال الاهتمام الكافي على ما يبدو .ويظل في حاجة إلى مزيد من البحث والتثقيف به لدى القوى المعنية ببناء ليبيا الغد الذي تعلن غالبية هذه القوى أنها تريد ليبيا ديمقراطية يتمتع أهلها بالحرية والرفاهية والسلام.

 

ويصعب هنا إحصاء الإسهامات في هذا السبيل،ولكن،لا بأس من الإشارة إلى المحاولة الأخيرة التي قام به  مجموعة كبيرة من الليبيين في كتابة مذكرة تطالب نظام القذافى بان يغير خطابة السياسي القائم على الإرهاب و انتهاك حقوق الإنسان وطالب هؤلاء الموقعين من كل الليبيين بان يوقعوا على هذه المذكرة في محاولة للتنسيق مع كل قوى التيار الديمقراطي والشخصيات المهتمة بالشأن الليبي.

 

 لا يصح قصر الداعين إلى الديمقراطية على العلمانيين .فضلا عن كون المرء علمانياً لا يعني بالضرورة أن يدعو أو يتبنى الديمقراطية .فالنظام الحاكم في ليبيا يدعى العلمانية ومع ذلك فقد أقام ديكتاتورية قبل أن يدعى الأيمان ويتاجر بـ الحملة الإيمانية والدعوة لحفظ القرآن ،بأسم مقولة "القرآن شريعة المجتمع" قادة الجيش التركي على سبيل المثال يمسخون الديمقراطية التركية باسم الدفاع عن علمانية الدولة التي أقامها اتاتورك . ولا حاجة لذكر هتلر وموسوليني وبول بوت وأحزابهم من الديكتاتوريين العلمانيين . والآن لنعد إلى السؤال الذي وضعناه عنواناً لهذا المقال: هل ليبيا مؤهلة للديمقراطية؟! يتطوع البعض للإجابة عن هذا السؤال بالنفي ،استنادا إلى أن ليبيا كدولة لم تتمتع بديمقراطية حقيقية إلا فترة قصيرة بعد حصولها على الاستقلال مباشرة. ولئن كان موطناً للتمرد والمظاهرات الطلابية فإنه كان في الوقت نفسه موطناً للقمع الدموي الذي قل نظيره في الأنحاء الأخرى من العالم العربي.

 

وهناك بين هذا البعض من يتشاءم من مستقبل الديمقراطية في ليبيا باعتبار أن القوى التي تدعو للديمقراطية في ليبيا الغد غير مؤهلة لأقامة النظام الديمقراطي قومية كانت أو ليبرالية أو إسلامية ،لارتباطها بهذا الشكل أو ذاك بالصراعات الحادة والانتهاكات للديمقراطية قبل انقلاب سبتمبر  وبعده .وممارسات بعضها حتى وهى في المعارضة مع الأسف.!!

 

وليس هذا البعض ببعيد عن تأثير دعايات النظام الديكتاتوري القائلة بأن زوال هذا النظام سيتسبب في نزاعات وحروب أهلية وتمزق ليبيا، وكأن النظام هو الحامي لهذه الوحدة،وليس هو أكبر معول لهدمها ،عملياً،بحكم سياسته الجهوية والتفرقة القبلية، هؤلاء يؤلفون بمجموعهم من جميع الانتماءات القبلية الغالبية الكبرى من أبناء الشعب. ويبدو أن الذين يتطوعون للإجابة بالنفي يتجاهلون مدى تعطش أبناء الشعب الليبي، من جميع الفئات والانتماءات السياسية،للخلاص من الديكتاتورية، التي أوصلتهم إلى هذا الدرك من الفقر ـ في وطنهم الغني ـ و إهدار الحريات والكرامات ،والعزلة عن أشقائهم وجيرانهم ،وانتقاص سيادتهم الوطنية،وتعريض وحدة وطنهم للتمزق، وتجذر وعيهم بالحرمان من الديمقراطية كان السبب الأساسي لما وصلت إليه الأوضاع والكوارث التي حلت بالشعب والوطن!!.

 

ويتجاهل هذا البعض الميل الجارف الذي يعم العالم، ابتداء بالبنان مرورا بالبحرين ومصر ونتهاءا بقرغيزستان في أسيا الوسطى والسؤال هو : ما هو تأثير هذه الانتفاضات المخملية على شعبنا المكبل والأسير؟،وتأثير ذلك على ليبيا وقواه السياسية. فهذا الواقع يزيد من عزلة النظام ويظهره بمظهر النشاز في عالم اليوم. ويعزز إيمان القوى الداعية للديمقراطية بحتمية الانتصار على الديكتاتورية وتخليص شعبنا من آثامها وشرورها!!.

 

لكن هذا ينبغي أن لا يدفعنا للإفراط في التفاؤل في هذا المجال .فالقوى التي تدعو للديمقراطية من شتى الاتجاهات والميول ينتظرها عمل كثير للتثقيف الذاتي بالديمقراطية ،فكراً وممارسة،أولا. وتذكير أوساط الحركة الوطنية بما وقعت عليه فصائلها ومنظماتها في الأدبيات التي أقرتها طيلة السنوات الماضية من عمر المعارضة الوطنية.ثانياً.فلا يكفي أن يجري تسطير ذلك في خطابها السياسي التي اعتمدته في نضالها السياسي، وانما يجب تجسيد ذلك في صحافتها وممارساتها اليومية، وفى علاقاتها بعضها ببعض بتطوير وتنمية  مختلف أشكال العمل المشترك الذي يلتقي فيه منتسبو هذه الفصائل حينما أمكن ذلك خارج الوطن، وفى داخله أيضاً . فليس سراً أن أحد أهم أسباب فشل انتفاضة الجبل الأخضر هو عدم تعاون قوى المعارضة على أرض المعركة،وعدم استطاعتها إقامة قيادة سياسية موحدة لتوجيه المنتفضين !!

 

والمتابع لأوضاع المعارضة الليبية يستطيع أن يلمس تعاظم إدراك مختلف فصائلها  ـ و أن كان بدرجات متفاوتة ـ لأهمية موضوع الديمقراطية ،وضرورة اعتمداها كآلية للحكم في ليبيا الغد، وكإحدى الثوابت للعمل السياسي وتداول السلطة عن طريق صندوق الاقتراع ،وقبول مفهوم للديمقراطية باعتبارها حكم الأكثرية الناتج عن انتخابات حرة نزيهة في ظل الحريات العامة: حرية المعتقد الديني وحرية إبداء الرأي والصحافة والتنظيم الحزبي والنقابي والمهني والاجتماعي. وضرورة إقامة دولة القانون التي تعتمد دستورا يكرس هذه الحريات ويؤمن التداول السلمي للسلطة. إن عملاً كثيراً ينتظر كل الداعين للديمقراطية  في ليبيا، وأحسب أنهم قادرون عليه!!

 

 د/ جاب الله موسى حسن

 

Jaballah60@yahoo.com

 

راجع أرشيف مقالات الدكتور جاب الله موسى

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.