
7 نوفمبر 2004
فرج بوالعشة
|
الدكتور محمد المقريف يُعيد إنتشاره النضالي.!!
كتاب:"ليبيا بين الماضي والحاضر" الذي صدرت منه ثلاث مجلدات من عشرة مؤمل صدورها تباعاً،يعتبر موسوعة تاريخية فريدة في المكتبة الليبية.والكاتب،الدكتور محمد يوسف المقريف،تصدى لعمل كبير لا تقوم بها سوى مؤسسة من باحثين ومؤلفين.وكما قال الدكتور نقولا زيادة،شيخ المؤرخين العرب:" لن يتاح لليبيا كل يوم أن يُعنى بها كاتب له هذا الصبر والجلد،وعنده هذه المقدرة على التصنيف،والدربة على الكتابة،والوضوح في الأسلوب." كما أن هذا العمل الموسوعي الضخم ما كان ليرى النور على الشكل الفني الذي خرج به لو لا عناية مركز الدراسات الليبية/لندن الذي نشره تحت إشراف الأستاذ يوسف المجريسي. وهو ما يجعل شراء الأخوة الليبيين لهذا الكتاب علاوة على قيمته المعرفية النفيسة مساهمة وطنية في دعم مركز وطني(مركز الدراسات الليبية) هو في أشد الحاجة إلى الدعم لمواصلة (دوره) في نشر الاصدرات المائزة لتعويض النقص الهائل في مكتبة تاريخ ليبيا المعاصر.
وبهذا العمل الموسوعي يعود الدكتور المقريف إلى حقله العلمي الأكاديمي كباحث ودارس من الطراز الرفيع.فيوظف قدراته العلمية المنهجية في التوثيق والتحقيق والتحليل من أجل إنجاز مشروع وطني فكري لا يقل أهمية عما حققه من إنجاز وطني ناضلي من خلال مساهمته المحورية البارزة في تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي حملت في وقت مظلم وهمجي من تاريخ ليبيا شعلة مقارعة القذافي ونظامه المستبد،ومصاولته حتى في عقر مخبأه. وعندما قرر المقريف أن ينسحب من قيادة الجبهة،لم يكن قرارا بالانسحاب من النضال كما روج العملاء والحاقدون.بل أنه لم يكن إنسحابا وإنما إعادة إنتشار نضالي.إذ اعتكف لسنوات اعتكاف العالِم في جمع :" مادة تاريخية ضخمة من مراكز الأرشيف والمكتبات العالمية،ثم عكف عليها بضع سنين،محققاً وممحصاً ومترجماً،يغربل القناطر من الوثائق والكتب والمجلات والصحف والدوريات،حتى صنّف هذا المرجع التاريخي،فيسّر للدراسين والباحثين في التاريخ الليبي المعاصر،والمهتمين بليبيا وشؤونها،مادة علمية موثقة ما كانوا بالغيها إلا بشق الأنفس..." حسب ما جاء في كلمة الناشر بقلم الكاتب الرائع يوسف المجريسي.
الكتاب الصادر في ثلاثة مجلدات،في حوالي 1800 صفحة من القطع الكبير،يشكل الجزء الأول من أربعة أجزاء يؤمل أن تصدر تباعاً.يتناول المجلد الأول موضوع :" ميلاد دولة الإستقلال" الذي يُمهد له بمدخل عام يستعرض بشكل خاطف تاريخ ليبيا القديم عبورا بتاريخ الفتح الإسلامي والحركة السنوسية،وصولاً إلى حقبة الاستعمار الإيطالي. ويركز المؤلف على مراحل الجهاد الوطني ضد الاستعمار الإيطالي بحسبانه مقدمة تاريخية حاسمة ومرجعية وطنية جامعة على طريق معركة الإستقلال في طور الجهاد المدني الذي خاضته الحركات الوطنية في أقاليم البلاد الثلاثة(طرابلس،فزان،برقة)،وصولا إلى إعلان الاستقلال وولادة ليبيا الحديثة.بينما خصص المؤلف المجلد الثاني والثالث:" للحقبة غير النفطية من تاريخ دولة الاستقلال،وهي الحقبة التي امتدّت ما ينيف على أحد عشر عاما بقيادة عاهلها الملك محمد أدريس السنوسي وبنظامها الاتحادي وبحكوماتها الخمس،وهي حكومات السادة محمود المنتصر ومحمد الساقزلي ومصطفى بن حليم وعبد المجيد كعبار ومحمد عثمان الصيد.."حسب ما جاء في تقديم المؤلف لكتابه.
طبعا ليس بمقدور مقال واحد تقديم قراءة وافية لمضمون الكتاب بمجلداته الثلاثة.وهو ما أجله لوقت آخر. فمقالي القصير هذا لا يتعدى كونه تحية واجبة لمناضل وطني كبير،قد يكون طاغية ليبيا وسفيه سرت ظنه أنسحب أو توارى،فإذ به يخرج له بسلاح الكلمة الحرة التي لا تموت.لقد عمل القذافي،عدو الكلمة الحرة،على طمس ذاكرة دولة الاستقلال طمسا تاماً. وعمل موسوعي كهذا يرعبه.لأنه يُحيي تاريخا أراده الطاغية رمادا منثورا في النسيان. فخلال حوالي 1800 صفحة،وآلاف المفردات،يستعيد القاريء ليبيا الزمن الجميل.وذلك ليس من باب النستالوجيا المريضة.إذ نعرف أنه كان هناك فقر وبؤس وشيء من القمع.وكان هناك كثير من الفساد السياسي،والارتهان للأجنبي،وغير ذلك من النواقص والمساوي..لكنه يظل ذلك الزمن الجميل الذي كان.لأنه،على الأقل،كانت هناك دولة تحكم بدستور سيادي وليس بتستور يا اسيادي!!!!
الدكتور المقريف يتناول بالتحليل تاريخ ليبيا المعاصر،وتحديدا،دولة الاستقلال،في منهج علمي موضوعي ديدنه البحث عن الحقيقة كما تظهر له دون تزويق أو تعمية مثل فعل بعض رجالات العهد الملكي الذين تعمدوا الكذب والتلفيق في مذكراتهم عن العهد الملكي من أجل طعن غيرهم من جهة،وإظهار أنفسهم في دور الرمز الوطني الشريف من جهة أخرى،بينما تظهرهم الوثائق الدامغة لصوصا وعملاء.
الدكتور المقريف يعرض الحقائق دون حكم قيمة وإصدار إحكام وبأسلوب أدبي راقٍ.فهو ينبه،كما جاء في كلمة الناشر:" إلى ما أهمله أصحاب المذكرات سهوا،ويصحح لهم بعض ما دونوه خطأً،ويخرج لهم كثيرا مما طمسوه عمداً،ويقارن مذكراتهم بعضها ببعض،ثم يعرضها على ما كُتب عن العهد الملكي،وعلى ما صُنّف من تقارير ومراسلات سرّية لدى الحكومتين الأمريكية والبريطانية عن ليبيا،في أسلوب منهجي موثق،وعرض تاريخي متسلسل،ونقد علمي لا إجحاف فيه ولا محاباة.." ويبقى القول أنه كتاب/مكتبة.قراءته ضرورية لكل ليبي يريد أن يستعيد الذاكرة الوطنية المحجوبة.وهو ضروري للمعارض الوطني وللدارس والباحث.
فرج بوالعشة
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()