|
صفعة القذافى لحكومة أسمرا
ظن عقيد ليبيا القذافى انه
سينال رضاء الغرب بموافقته على تلبية كل طلباتهم؛ ولذا قدّم
مؤخراً تنازلات كثيره للغرب ودفع تعويضات ماليه طائله للخروج من الأزمه
السياسيه والأقتصاديه التى تمربها ليبيا. ولكن تلك التنازلات
لم تحقق طموحات القذافى الراميه الى تحسين علاقته بالغرب ، بل على العكس ، زادتها
اكثر تعقيداً حيث تحولت علاقته بالغرب من علاقة شدٍ و جذب الى علاقه طرديه، اى
بمعنى آخر ... كلما وافق القذافى فى تلبية طلبٍ ما ،
جاءه الغرب بمطلب آخر، وكلما زاد هو فى الطاعه واصبح اكثر مرونه
..اصبحوا هم اكثر صلابه وكلما ظن انه قرّب المسافه بأستسلامه ورضوخه
زادوا هم اكثر بعداً ، وكلما اعتقد انه استعمل ذكاءه... يدفعوا به لأرتكاب
حماقه اكبر.
وعلى سبيل المثال، بمجرد انه تنفس
الصعداء مؤخراً بموافقته فى دفع تعويضات لعائلات ضحايا ملهى لابيل فىبرلين
عام 1986 معتقداً انه قد لب بذلك تنفيذ اخر المطالب , وقال مسروراً (
وداعاً للمطالب الغربيه) ... جاءه السيد برلكسونى الوزير الأيطالى
طارقاً الباب فى زياره الى طرابلس حاملاً معه اوامر ومطالب اخرى جديده.
ولكن هذه المره كان المطلب اكثر تعقيداً ليس لأن الأمر هنا يتعلق ا بمطلب
إبعاد المواطنيين الأفارقه من ليبيا بعكس المطالب السابقه التى كانت
تتمثل فى تعويضات ماليه فقط . ويعتبر هذا المطلب اكثر تعقيداً من بقية المطالب
السابقه لأن إثبات تنفيذ هذا المطلب الجديد سيكون صعب جداً للغايه.
لا شك ان سيادة معقد ليبيا القذافى سيوافق فى تنقيذ ذلك المطلب
الأيطالى ومطلب الأتحاد الأوروبى الذى ينص على ضرورة
ابعاد الأفارقه من ليبيا لتحاشى دخولهم الى أوروبا عبر إأيطاليا ، ولكن
السؤال الذى بطرح نفسه هو كيف لسيادة العقيد سيثبت بالدليل المادى والملموس
فى تنفيذيه لذلك المطلب الذى وافق على تنفيذه دون اى شرط يذكر؟
اى بصيغه اخرى .. كيف سيثبت انه ابعد او رحّل الأفارقه من بلاده؟
وبعد تلك الزياره القصيره للوزير الأيطالى ودّعه القذافى
بحراره مطمئناً إياه بأنه فى القريب العاجل سيسمعه ما يرضيه ويرضى دول الأتحاد
الأوروبى، وودّعه الأخر بدوره مبتسماً وهو على يقين ان هذا
العقيد سيقوم فى إرتكاب حماقة اخرى عند محاولته الخروج من هذا المأزق
الجديد.
بدأ القذافى مباشرةً فى البحث عن وسيله سريعه لتنفيذ ذلك المطلب
لكسب الزمن ومن ثم إيجاد كبش فداء يضحى به للخروج من تلك الورطه بطريقه تلفت
الأنظار وتتناولها وسائل الأعلام الغربيه ، ولذا فكر فى إستخدام الطائره كطعم
لأختطافها من قبل الابرياء المحتجزين فى احدى سجونه الكثيره لترحيلهم الى
بلادهم.
خطط القذافى لمسرحية الأختطاف هذه بإحكام ليتم
تمثيلها على خشبة المسرح السياسى والاعلامى عبر ابرياء كان لابد لهم
ان يقوموا بعملية الأختطاف لأنقاذ حياتهم بالرغم من عدم معرفتهم المسبقه
بأن هذه العمليه جاهزة التنفيذ وأن الأجواء مهيئه من قبل سلطات
القذافى لتتم بنجاح و لصالح الطرفين.
وبما ان الغايه تبرر الوسيله ، اختلق القذافى تلك المسرحيه التى ابدع فى
تأليفها وسارع فى توزيع ادوار البطوله لها . والحق يقال ، أن
الامر كان لايتطلب المزيد من التفكير والتدبير لأن سيادة العقيد على درايه كامله
أن الجاليه الأرتريه المغلوبه على امرها فى ليبيا هى الأكثر حظاً
من دون منازع للأستفاده من ذلك "الطعم" والقيام بدور البطوله فى هذه
المسرحيه فضلا عن بقية الجاليات الأفريقيه الأخرى فى ليبيا وذلك للأسباب
التاليه:
سبق لليبيا وأن قامت بترحيل ارتريين الى اسمرا بسريه تامه وتمت
تلك العمليه بالتنسيق مع الطغمه الحاكمه فى إرتريا عبر طاقم سفارتها بطرابلس.
ولهذا كانت شهية النظام مفتوحه لأبتلاع اى دفعه قادمه سينال بقدومها المال
الوفير كما حدث فى الدفعات السابقه التى قدمت من مالطا وليبيا وقد كان حقق
من خلالها مكاسب ماديه وبشريه للسجون او ساحات القتال.
كانت الأستخبارات الليبيه على درايه تامه ان معظم الارتريين الذين
تحتجزهم فى معتقلاتها بالكفره ينتمون الى قوى المعارضه الأرتريه او هم جنود
هاربين من الخدمه العسكريه الجبريه ولذا سيفضلون الموت فى العراء بدلاً من العوده
الى ارتريا.وسيعملون المستحيل لمنع تلك الطائره من الوصول الى اسمره .
كان حضرة العقيد على يقين ان عمليه الأختطاف لا محال ستحدث إذا إكتشف أولئك
الأرتريون المرحلون غياب طاقم امنى بالطائره .
تشابه النهج السياسى الدكتاتورى والتعسفى لحكومة البلدين مما جعل رئيسى البلدين
حلفيين استراتجين . ... بل توأمين يصعب التمييز بينهما لشدة تشابه
سلوكيهما اللامسئول وتصرفاتهما الخاليه من الحكمه وافكارهما
العقيمه وحماقتهما المتكرره. ولذا اى تهور او تصرف يقوم به احدهما سيباركه
الاخر دون ادنى شك وبدون اى دراسة للعواقب التى ستترتب على ذلك التصرف
الغير مسئول.
تلك الأسباب الخمسه مجتمعةً كانت حافز مشجعاً ووسطاً مثمرا
ووسيله ً سهلةً ليحقق القذافى الهدف المرتقب من مسرحيته على
خشبة مسرح السياسه والأعلام بنجاح ، ولذا بدأت المسرحيه بتجهيز الطائره وعلى
متنها طاقم الطائره المتكون من الملاحين فقط دون وجود حتى رجل أمنٍ واحد
على متنها ، وكأن فريق كرة قدم او فرقه موسيقيه او سياحيه ستستقل تلك الطائره فى
رحلتها. ومن ثم اتى الركاب المرحلون على متن الطائره دون اى تفتيش مسبق
للتأكد من عدم حوزتهم على سلاح اى كان توعه وسمح لهم بالجلوس على مقاعد
الطائره وهم فى مطلق الحريه غير مقيدى الايدى او الأرجل وذلك طبقاً
لما تم وصفه فى المسرحيه. واخيراً اعطيت الأوامر بأقلاع الطائره.
والنتيجه النهائيه كان اختطاف الطائره وانزالها فى مطار الخرطوم
كما كان متوقع لأن ليس للركاب من خيار ثانى وليس من الغباء ان يقود اولئك
اتفسهم بنفسهم الى حبل المشنقه الذى نجوا منه من قبل بإعجوبه ولذا قامووا
بتلك العمليه البطوليه حتى تنجوا ارواحهم من الموت ومثّلوا الدور
الذى كان مطلوب منهم بكل عفويه
بالرغم من عدم درايتهم لمخطط معمر القذافى الذى كان يحثهم هو بدوره بطريقه
غير مباشره لتنفيذ تلك العمليه.
وبعمليه الأختطاف كتبت للذين كانوا على متن الطائره حياة جديده تتسم بالحريه
والكرامه والكبرياء ، وأضيفت هزيمه شعبيه جديده الى سجل هزائم حكومه ارتريه
وفضيحه اخرى الى سجلات القذافى العامره بالفضائح والمسرحيات المكشوفه
والفاشله دائماً.
ان دواعى كتابتى لهذا الموضوع ليس لكشف خفايا تلك المسرحيه الفاشله او لوصف
الصفعه الموجعه التى تلقاها نظام اسياس ولكن لأستغرابى الشديد لآنصراف
وسائل الأعلام والمنظمات الدوليه عن التفاعل مع هذا الحدث !!! هل كان سبب
اهمال هذا الحدث من قبل الأعلام الغربى لأكتشافهم سيناريو تلك
المسرحيه قبل او بعد تمثيلها؟ ولذا تم تجاهل الحدث برمته.
والملفت للنظر كذلك التكتم الاعلامى لكل من ارتريا وليبيا على هذ الحدث. هل يعود
السبب لتقبل نظام اسمره الصفعه بروح رياضيه عاليه؟ ام لأنه سبق لنظام اسمرا
و أن استلم ثمن الصفعه نقداً وفقاً للأتفقيات المبره بينه وبين القذافى فى
هذا المجال؟
على العموم ماحدث كان بمثابة صفعه على وجه نظام اسمراالذى كان ومازال اداة
لتنفيذ مخططات القذافى المتهوره عبر طاقم سفارته فى طرابلس الذى يجرى كالكلاب
المسعوره برفقة اجهزة الأستخبارات الليبيه لأعتقال افراد الجاليه الأرتريه مقابل
حفنه من الدولارات.
اسماعيل سالم
|