|
|
||||||||||
والذين كانوا ينتظرون من الملك إدريس أن يخرج القوات البريطانية من بلاده مع الاستقلال كانوا يتجنون على وطنيته. فالقوات البريطانية، من وجهة النظر الليبية فى ذلك الحين، كانت ضمانة لهذا الاستقلال الذى ما زالت العناصر الفاشستية فى إيطاليا تتنكر له وتتربص به. ثم بأى قوة يخرج هذه القوات البريطانية التى حررت بلاده وهو لا يملك من وسائل القوة شيئاً، وهذا الاستقلال الوليد ما زال عارياً لم تضمن له وسائل الرضاعة بعد؟ وهل كان فى استطاعة أولئك الذين كانوا يعبثون بهذه الاوهام أن يخرجوا القوات البريطانية من بلادهم وهم أقوى من ليبيا عدة وعدداً وأرفع منها شأناً وثقافة وأغنى منها ثروة وإمكانيات، وقد مضى عليهم ربع قرن فى نوع من أنواع الاستقلال، وليس إلى المقارنة سبيل بين أسباب قوتهم وضعف ليبيا وفقرها؟ ألم يكن من العبث بالاوهام أن يطلب إلى الملك إدريس أن يطرد الانكليز من بلاده فى أول لحظة من لحظات الاستقلال أو يرفض الاستقلال رفضاً؟ أو ليس من الاسترسال فى الخبل أن يطلب إلى طفل لم تمض إلا لحظات على فتح عينيه للنور، أن يقف على رجليه فى الحال أو أن يرفض الحياة ويغمض عينيه إلى الابد؟إن الاستقلال الليبى قد أخرجته إلى الحياة قابلة غربية، فهو لم يختر الغرب اختياراً ليكون قابلته، وهو مضطراً إلى أن يستعين بهذه القابلة وهو فى طور الرضاعة. ومن حسن حظ هذا الطفل الرضيع أن يتعهده ملك صالح، راجح العقل، سليم الطوية، راسخ الإيمان زاهد إلا فى مرضاة الله.أما تأجير القاعدة الجوية فى ليبيا إلى الولايات المتحدة فهو يتمشى مع سياسة بعيدة المرمى تريد أن تتجنب أن تنفرد دولة غربية واحدة بتسليط نفوذها على ليبيا. فوجود قاعدتين لدولتين ينتفى معه هذا الخطر، ثم حين تأزف الساعة لانسحاب القوة الامريكية فلن يكون هناك مسوغ لبقاء القوة البريطانية لان القوتين تسوّغان وجودهما بأسباب الامن الدولى وليبيا حريصة على أن يستتب هذا الامن حتى ينمو استقلالها. وبعد فلولا تأجير القاعدتين لما استطاعت ليبيا أن تقوم على نفقات حكومتها وهذه حقيقة محزنة لاتزول بالنسيان أو الإغفال!والملك إدريس يدرك أن الاستقلال الاقتصادى هو حقيقة الاستقلال السياسى، وقد استقلت ليبيا ومعظم اقتصادها فى أيدى الطليان، وليس هذا فقط ، بل إن مصادر ثروتها تكاد تكون منعدمة. وهو لهذه الحقيقة القاسية، أقبل أشد الاقبال على المساعدات الامريكية ومساعدات الامم المتحدة لتنهض اقتصاديات بلاده نهوضاً يجعل من استقلالها مع الايام حقيقة تحترمها الايام.ولكن هذا لا يعنى أن الملك إدريس لا يشعر بما تعانى الشعوب العربية من شرور الاستعمار الغربى. فقلبه طافح بالالم وهو يقف إلى جانب الشعوب العربية المناضلة فى سبيل كرامتها، فهو معها على طريق مماثل ولكنه يناضل فى جو يختلف عن جوها. ولكن قوة جيرانه قوة له وهو لذلك يسند، بروحه وجهوده الصامتة، الحركات الوطنية فى العالم العربى. وهو يعبر عن شعوره فى غير غموض حين يتصل به ممثلو الدول الغربية، وهو حريص على أن يفهم الغرب بأنه وشعبه مع قافلة الشعوب العربية وأن الالم الذى يشقى به قطر عربى يسرى فى سائر أنحاء الجسم العربى. والسنوسى الذى يحمل النور الروحى فى ظلمة الصحارى الإفريقية، موقن بأن شعلة الحرية الليبية التى يحملها سيندلع لهيبها على طول الساحل الإفريقى الشمالى، وها هو شررها يتطاير من الافق السنوسى؟وأريد أن أذكر هنا أنه حين طلبت الشركات الفرنسية والبريطانية امتيازات للتنقيب عن البترول فى مناطق خاصة رفض السنوسى أن تخصص أى منطقة لاى امتياز، لانه لايريد أن تنطوى هذه الظلال الاقتصادية على نفوذ سياسى فى أى حدود. وأعلن أن ليبيا ترحب بجميع شركات الارض تبحث عن البترول فيها حيث تريد دون أى تمييز ودون أى امتياز. فإذا نبع الزيت، فعندها فقط تملى ليبيا شروطها، على ضوء الزيت الجديد.فسياسة بعث العرب بعثاً جديداً فى وحدة روحية هى الاساس لاى وحدة سياسية، والام العرب وامالهم تتساير فى تيار روحى واحد تتلاشى فيه الحدود المصطنعة. ولولا انسياب مثل هذا التيار الروحى فى جزيرة العرب لما انبثقت من صحرائها زهرة الحضارة التى ما يزال أريجها يحيى فى النفوس الطلاعة طماحها إلى المجد. والسنوسى فى هذا التيار قد يصطدم بالغرب، وقد يصطدم بغير الغرب، ولكنه ماض فى طريقه لايتردد ولايحيد!يتبع.... |
||||||||||
|
|
||||||||||
|
|
||||||||||