منتدى القراء

20/01/05

 

 

من الافق السنوسى

تأليف . يوسف عيسى البندك

  

الحلقة الثانية عشر والأخيرة

ذكريات سنوسية
 

وأعود إلى الذكرى السنوسية الأخيرة التى أريد أن أعرضها لتكون نهاية لهذه السلسلة من الذكريات والخواطر التى أسردها فى غير مشقة ولا جهد.

كان السنوسى يتأثر أعمق التأثر بما يحدث فى شمال افريقيا الغربى. والواقع أن الروح الوطنية فى هذا الساحل العربى لا تخلو من اثر الدعوة السنوسية التى انطلقت فى الأصل من تونس وانبعثت فى قلب الصحراء كما تنبعث الحياة بعد جدب. وليس هذا بالأمر الذى يدعو إلى الاستغراب. أولم تكن روح الاسلام هى التى بعثت ألحرية العقلية والسياسية فى قلب الصحراء العربية؟ أولم تكن انطلاقة العرب السياسية وليدة هذا البعث الروحى؟

وتأثر السنوسى بما أظهر الجنرال فرانكو من تشجيع لهذه الأمانى الناضرةالتى نمت فى صحراء افريقيا الشمالية وأصبحت قوة إنسانية لا سبيل إلى قهرها. ومن هذا التأثر جاءت رغبة السنوسى فى زيارة أسبانيا، وكان كذلك حريصاً على زيارة هذه الأقطار الحبيبة إلى نفسه على طول هذا الساحل العربى، فى طريق عودته من الأندلس فجمع بين الهدفين فى تلك الرحلة سنة 1953، وكنت العربى الوحيد الذى حضى بأستقباله فى سان سباستيان على الحدود الفرنسية الأسبانية وبدا عليه أثر السنين الثقيلة التى اضطلع بأعبائها، وأثر المرض الذى ألح عليه فى الأيام الأخيرة. وشعرت كأنما هذه الفترة القصيرة التى فصلت بيننا قد تركت فيه آثاراً بعيدة كأنما قد فارقته منذ سنين! ولكن ذلك الصفاء الروحى الذى يشع عينيه كان يضفى على وجهه الناحل مسحة من الخلود فكأنه قد خرج من الزمن ودخل فى التاريخ.

لقد ذاب السنوسى فى التاريخ لأن حياته كانت احتراقاً متصلاً وكان وقودها حيويته الدافقة من القلب.

وقد ظل هذا القلب الخصيب يستفيض بالأمل الوهاج فى أزمة الزمان الشاحب إلى أن انتصر لون الأمل فى افق السنين! وقد جزعت لمرأى السنوسى لأول وهلة بعد أن غاض لونه وظهرت فيه أزمة السنين المثقلة بالعناء، وعبرت عن جزعى للمرحوم إبراهيم الشلحى. فقال لى: يجب أن تحمد الله على أنه على هذه الحال من الصحة. فلو أنك رأيته قبل أشهر حين اشتدت به أزمة المرض لصعقت!

وبعد أن شربت الشاى استأذنت السنوسى فى العودة إلى مدريد لأكون فى شرف استقباله عند وصوله إلى العاصمة الأسبانية.

وعلى مسافة خمسة عشر ميلاً على الطريق المؤدية إلى مدريد التقت سيارات سفراء الدول العربية بالسيارة الملكية وكانت ترفرف عليها جميعاً الأعلام العربية. فترجل الملك إدريس وحياه والدى الذى كان ممثله الشخصى فى أسبانيا بالإضافة إلى كونه وزير الأردن ، وقدم إليه ممثلى الدول العربية الآخرين. ورأيت الوجه السنوسى ينتعش فيه لون الرضى العميق لهذه التحية العربية فى بلاد عرفت مجد العرب التليد. وكان هذا الاحترام الصادق الذى أظهر سفراء الدول العربية لهذا الملك الجليل، برغم موقف الجامعة السخيف فى تلك الأيام، اعترافاً جميلاً بجهاده الطويل. ومن حق التاريخ على أن أذكر هنا، أن السنوسى كان قد كتب إلى الملك طلال وهو على عرش الأردن راغباً إليه فى تكليف والدى، الذى كان وزيراً للأردن فى مدريد، بتمثيله فى أسبانيا. وكان السبب فى ذلك تقدير السنوسى للجهود التى كان يبذلها والدى فى دعم الحركة الاستقلالية فى شمال افريقيا.

وهذا دليل على مبلغ استقلال السنوسى فى سياسته العربية التحريرية، وبلاده ما تزال فى مطلع استقلالها الرضيع!
 


 

ثم غادر السنوسى مدريد بعد أيام قليلة استضافه خلالها الجنرال فرانكو، قاصداً إلى قرطبه وغرناطه فى طريق عودته إلى ليبيا مجتازاً مراكش والجزائر وتونس، وودعته فى مدريد وهو ينطوى على أمل فى أن يستطيع أن يحقق بعض الخير من هذا الجو الأسبانى السانح للعروبة جميعاً، وكان لى شأن فى مادة هذا الامل، ثم مضى السنوسى ومضى معه الامل! ومن يدرى فقد يتحقق بعد حين!
 

خاتمة

 

تعصف ريح الزمن بالحطام البشرى فى كل جيل فلا تبقى منه إلا الحقائق الروحية التى لا يقوى الدهر على هضمها.

والشخصية السنوسية فى التاريخ من هذه الحقائق الروحية. وقد عرضت فى هذه الخطرات إلى ما انطبع فى نفسى من التأثرات بهذه الحقيقة الروحية فى جيل توج فيه الضلال! فإذا استطعت أن أجلو هذه الشخصية فى هذه السطور العابرة من خلال الذكريات، وإذا استطعت أن انجو بالقارىء إلى تأمل صورة نقية من صور الحياة الطاهرة فى هذا المحيط الملوث الذى يؤذى القلوب والأبصار، وإذا استشرف معى القارىء من هذا الأفق إلى مصادر النور البعيد عن مظاهر الضلال المتوج فى حياتنا الراسفة فى الألم فقد رضيت! ولست أرى أن للكاتب مهمة فوق أن يصعد بالقارىء إلى أفق معين ويستشرف منه إلى مصادر النور البعيد... خصوصاً إذا أسدل الضلال المتوج ستاراً من ظلمة الأثم على وجه الأرض.
 

انتهى

 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.