
Home | About Us | Contact Us
03/01/05
|
توارق الصحراء
بقلم. رودجر دنتون
تعتبر مدينة غدامس الصحراوية النائية إحدى الأماكن الرئيسية التى تجتمع فيها قبائل التوارق. ولن يكمل أى شرح لليبيا دون ذكر اولاد الصحراء هولاء، لأنهم فى الحقيقة من أبرز الجاليات فى شمال أفريقيا بأسرها، لا لأنهم يلبسون النقاب- أعنى الرجال- فحسب، بل أيضا لأنهم مروا بجميع مراحل الغزو الكثيرة بشمال أفريقيا، كفئة جنسية واحدة خالصة. أما من حيث الجنس فهم من أصل البربر، إذ هم طوال نحال ذوى أجسام خفيفة عصبية، كما أن لهم حركات رشيقة حرة غير عادية. ولهم طريقة فى المشى متئدة رزينة هادئة. ويعنون بأنفسهم غاية العناية سواء أكانوا واقفين أم جالسين، كما أنهم يعتزون بأنفسهم فى فخر طبيعى ، باعتبار أنهم كانوا أسياد الصحراء لعدة قرون. ويظهر أن النقاب هو رمز سكونهم لأنهم ليسوا مغرمين بالمحادثات الطويلة، فالصحراء ساكنة هادئة. وقد تعلموا كيف يكونون ساكنين هادئين من معيشتهم جيلاً بعد جيل فى هذه المساحات الشاسعة من الرمال. ولكن بالرغم من أنهم يتكلمون قليلاً إلا أنهم يراقبون كل شىء .
لقد جففت الشمس وجوههم وجعلتها مجعدة بأشعتها المحرقة، ولكنها لم تظلم النبوغ والذكاء فى أعينهم السوداء الخارقة التى ترى الغريب من بين غطاء الرأس والنقاب. إن نظرتهم حادة متحدية، وفيها، كما فى كل حركة من حركاتهم، قوة هادئة.
أما عاداتهم الاجتماعية فهى- فى جزء منها- وليدة اتصالات قديمة حصلت قبل مجىء الإسلام إلى شمال أفريقيا بمدة طويلة. وأما من حيث ملابسهم فهى لا تختلف ولا تتنوع كثيرا، حتى إنها تشارك البدل الرسمية فى عدم تنوعها وفى طرازها القديم الذى طغى عليه النسيان. وتلعب نساؤهم دوراً هائلاً فى الحياة الاجتماعية والعائلية، وتقابل نصائح النساء وخصوصاً كبيرات السن باحترام عظيم- الأمر الذى يشير إلى التغلغل الجزئى للعادات التى كانت شائعة بين القبائل قبل العهد الإسلامى.
إن التارقى رشيق فى مشيته، وحينما يكون راكباً جمله، فهو ارشق بمراحل، لأنه ليس هناك شىء عن الجمال وأخلاقها لا يعرفه ( أولاد شمس الصحراء) هؤلاء، كما أنهم يعرفون كل الطرق اللازمة لمعاملة الجمال. فالطارقى يجلس على جملة كما يجلس الملك على عرشه، وينظر من فوق الجمل على الرمال الشاسعة بنفس الفخر الذى يبديه الآخرون فى أشجار الكرم الخضراء اليانعة. ويجلس على جمله بعظمة رشيقة، وهو ملثم، ووجهه هادىء، مغطى بالنقاب، وعيناه الحادتين كعينى الصقر، ووحيداً كالنسر. إن كل الذى يعرفه التارقى قد تعلمه من الصحراء التى تنقل عبرها قروناً عديدة بخيامه وعائلته وأنعامه. إنه محارب شجاع قوى، لأن حياة الصحراء لم تمده بالكماليات الناعمة. ولكنه عاقل، له كل رزانة وعقل الراعى الذى أمضى الساعات الطوال تحت قبة السماء الصافية فى الصحراء القاحلة. لقد علمته هذه الساعات الطوال الصبر، كما علمته كيف ينتظر النتيجة التى تخبره معرفته بالطبيعة أنها لابد آتية إن عاجلاً أو آجلاً لسبب معروف. وتتركز قوته فى صبره وهدوئه. إن عاقل.
ومثل التوارق مثل جميع الأجناس الأخرى التى تعيش فى الصحراء المحرقة، لهم لغة غنية وتراث جليل، قوامه الصدق والتدين والخبرة العظيمة. وتتكلم غالبية التوارق- وهم القبائل المتنقلة- اللهجة التماشيكية للغة البربرية. أما أغانيهم الحربية فعميقة المعنى جريئة وألحانهم حزينة موحشة، كما أنها ليست ذات لون فاخر أو مترفهة. وهم يضحكون قليلاً وبهدوء، كمن فى دنيا تنقصها الرفاهية المادية.
عن مجلة المستمع العربى التى تصدرها هيئة الاذاعة البريطانية
|
Home | About Us | Contact Us
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()