منبر الكتاب

20/03/05


 

 

في ذكرى الاستقلال*

السيادة الوطنيّة... حصاد ثلاثة عقود
 

بداية يطيب لي أن أتقدم إلى وطننا الغالي؛ وإلى أهلنا- في الداخل الخارج- بأحر التهاني وأصدق التبريكات بمناسبة حلول يوم ليبيا الوطني.. عيد الاستقلال المجيد.. وذكرى ميلاد دولة ليبيا الحديثة.. سائلا المولى عز وجل أن يفك أسر وطننا.. وأن يفرّج كربة شعبنا.. وأن يعيد الاعتبار لاستقلالنا وسيادتنا الوطنيّة.

إنّ الاستقلال سيظل- رغم التشويه والتزييف- أهم وأسمى وأثمن حدث في تاريخ ليبيا المعاصر، فهو الأهم- دون منازع- لأنّه يمثل- بحق- ميلاد الدولة الليبيّة.. وهو الأسمى لكونه انجازا تجسد فيه إجماع الإرادة الحرة لكل الليبيين.. وهو أيضا الأثمن إذ جاء تتويجا لجهاد أربعة عقود متواصلة، قُدّم في سبيل تحقيقه نصف سكان الوطن قربانا.

لقد كان استقلالا حقيقيّا.. لا يُنسب الفضل فيه لشخص بعينه؛ بقدر ما يعود الفضل- بعد الله تعالى- إلى قائمة طويلة من القيادات السياسيّة والجهاديّة.. فلم تخل مدينة أو قرية أو قبيلة من قبائل ليبيا إلا وكان منها علم له إسهامه في صنع الاستقلال.. نخب وطنيّة تبادلت الأدوار والمواقع.. وتداخلت حلقات كفاحها في محطات عديدة.. وتواصل بذلها وعطاءها عبر أجيال تعاقبت؛ إلى أن انتزع الاستقلال انتزاعا.. وصارت دولة ليبيا حقيقة على أرض الواقع.

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة السيادة الوطنيّة لم تكن وليدة لحظة المداولات والحراك السياسي الذي سبق الاستقلال بأعوام قليلة.. بل تشكلت في الوجدان الوطني الليبي منذ السنوات الأولى للغزو الإيطالي.. فحتى وإن كان الثابت أنّ بواعث الليبيين في رد الغزاة الطليان بادي الأمر انحصرت في الدفاع عن النفس والعرض والممتلكات، واستجابة لواجبات الدين في رد الغزاة والذود عن ثغر من ثغور الأمة، غير أن معاهدة لوزان سنة 1912؛ التي بموجبها سحبت تركيا قواتها من إقليمي برقة وطرابلس، أضافت بعدا جديدا في منطلقات الجهاد وغاياته.. فالمعاهدة تركت الليبيين يواجهون مصيرهم لوحدهم، الأمر الذي أوقد فكرة السيادة في الوعي السياسي الوطني.

لقد دفعت المعاهدة الزعماء الوطنييين في الإقليم الطرابلسي إلى مشاورات ومداولات حول الاستقلال والسيادة أدت إلى ولادة الجمهوريّة الطرابلسيّة سنة 1918.. وفي برقة سارعت الحركة السنوسيّة- بعد المعاهدة مباشرة- بالبدء في توقيع مراسلاتها الرسميّة باسم "الحكومة السنوسيّة" كمظهر من مظاهر السيادة الوطنيّة.

كلا مشروعي السيادة لم يدم طويلا.. بيد أنّ الفكرة لم تندثر، بل تطورت؛ لتتأصل مطلبا في الوجدان السياسي، وتتكرس أملا وطموحا في وعي أبناء الوطن.. وغدت تُقدَّم في المحافل السياسيّة المحليّة والإقليميّة والدوليّة، وتطرح على موائد المفاوضات والمباحثات المتعلقة بالشأن الليبي، والأهم من هذا، أنّ الاستقلال والسيادة صارتا مشروعا تصدر البرامج السياسيّة للحركات والأحزاب الفاعلة آنذاك.. ثم أخذت الفكرة تنمو وتنداح في الأقاليم الثلاثة إلى أن نضجت، وتطورت من أمل في استقلال الأقاليم فرادى؛ إلى مطالبة بميلاد دولة ذات سيادة تُظل تحت رايتها طرابلس وفزان وبرقة مجتمعة.

لقد كان الاستقلال ملحمة رائعة؛ تجلت فيها وطنيّة وحكمة وكفاءة وإخلاص النخب السياسيّة الليبيّة ..التي كانت تتطلع إلى بناء وطن يكفل لابنائه الأمن والرخاء.. ولإيمانها الراسخ بأن السيادة هي أول لبنة في بناء هذا الوطن، وأنّها وثيقة الصلة بالإرادة الحرة والاستقلال؛ حرصت هذه النخب- آنذاك- على الارتفاع بسقف مطالب الليبيين إلى الإجماع على الاستقلال ومطلق السيادة.. وحتى بعد الاستقلال، لم يغب عنها أنّ ليبيا دولة وليدة، وأنّ استقلالها تحدق به مخاطر جمة.. لذا ما انفكت تذّكر بأن "المحافظة على الاستقلال أصعب من نيلة".. وكأني بها قد كُشفت لها الحجب، ورأت ما يهدد استقلال الوطن وسيادته.

وقد صدق حدسها.. فما أن اغتصب القذافي السلطة حتى صارت ليبيا- رغم مزاعم النظام وادعاءاته- مستهدفة في سيادتها واستقلالها.. بل لا أكون مخطئا إذا قلت أن من أكبر جرائم نظام القذافي في حق وطننا وشعبنا هي إهداره للسيادة الوطنية.. الذي أخذ صورا وأشكالا متعددة؛ جاءت نتيجة لسياسات رعناء، ومغامرات حمقاء.. نقضت غزل السيادة، وذهبت بهيبة الدولة.. ولا زالت تشكل- إلى يومنا هذا- تهديدا صريحا لاستقلال الوطن وسيادته، وقد لا أكون أيضا مسرفا في التشاؤم إذا قلت: بل أنها تهدد حتى وحدة الوطن وأصل وجوده.
وأبشع صور إهدار السيادة الوطنيّة تلك التي نجمت عن أزمتي تفجير طائرة البان أم الأمريكيّة وطائرة يو تي أي الفرنسيّة. اللتان تحولت خلالهما ليبيا إلى مسرح لتنافس محموم وخطير وفاضح بين أمريكا وفرنسا- بشكل خاص- على نقض مفهوم السيادة، وإعادة تشكيله وصياغته وفق مقتضيات ترتيبات النظام العالمي في القرن 21.. ولعله من نافلة القول أنّ الدول الغربيّة وجدت في رعونة النظام وحمقة ذريعة لاختيار ليبيا نموذجا لتفكيك سيادة الدول.

فلم يمرحول كامل على تفجير الطائرة الأمريكيّة فوق مدينة لوكيربي في ديسمبر 1988 حتى انفجرت طائرة ركاب فرنسية تابعة لشركة اليو تي أي فوق صحراء النيجير في سبتمبر 1989. الأمر الذي حال دون أن تستفرد أمريكا وبريطانيا بمشروع نقض السيادة، وجعل من فرنسا شريكا في صياغته الصياغة الجديدة. والأهم من هذا أنّ تفجير الطائرة الفرنسية أعطى إشارة البدء في ماراثون انتهاك سيادة ليبيا الذي استغرق عقدا كاملا.

فقبل أن تعلن الولايات المتحدة الأمريكيّة وبريطانيا في 14 نوفمبر 1991 توجيه اتهامهما لمواطنين ليبيين يعملان في المخابرات الليبيّة؛ أصدرت فرنسا يوم 30 اكتوبر من نفس العام أمرا قضائيا بالقبض على أربعة موظفين في الدولة الليبية على رأسهم عبدالله السنوسي المسؤول الكبير في المخابرات الليبيّة، وأمرا قضائيا آخرا بالبحث عن موسى كوسة ( نائب وزير الخارجيّة الليبيّة آنذاك) وعبدالسلام الزادما المسؤول في أجهزة الأمن.

ويبدو لأن ليبيا دولة تشكلت سيادتها بقرار من الامم المتحدة، حرصت الدول الثلاث على ان تنطلق مرحلة تفكيك السيادة من داخل أروقة المنظمة الدوليّة ذاتها. فتقدمت بمشروع قرار إلى مجلس الأمن تمت إجازته بالإجماع.. وصدر القرار 731 في يناير 1992 متمحورا حول إدانة تفجير الطائرتين، وحث ليبيا على الامتثال لمطالب الدول الغربيّة بتسليم المتهمين.. أُعتبر القرار آنذاك تطورا في مفهوم السيادة، إذ أنه فرض على الدول المتهَمة الاستجابة لنتائج تحقيقات دول أخرى.. وأعطى في نفس الوقت الحق للدول في التصرف الفردي لحماية مواطنيها من الإرهاب..لقد أوجد القرار مفهوما عُرف بمفهوم المحاسبة الدوليّة؛ كبديل للمفهوم القديم لسيادة الدولة، الأمر الذي فتح الباب على مصرعيه أمام انتهاك سيادة الدول.

وتأسيسا على هذا القرار- وخلافا للاجتهاد الفرنسي- أصرت كل من أمريكا وبريطانيا على أن تسلم ليبيا مواطنيها للسلطات القضائيّة الأمريكيّة أو البريطانيّة، وضربت بعرض الحائط كل اقتراحات الجانب الليبي التي تراوحت بين محاكمة المتهمين أمام القضاء الليبي ومحاكمتهم أمام محكمة العدل الدوليّة.. مرورا بمحاكمتهم في دولة محايدة هي مالطا، أو تسليمهما إلى مصر أو إلى أمين عام الجامعة العربيّة، أو إلى اللجنة السباعيّة المنبثقة عن الجامعة العربيّة.. وحتى اقتراح محاكمة المتهمين أمام محكمة اسكتلنديّة في حجرة من حجرات محكمة العدل الدوليّة قابلته أمريكا وبريطانيا بالرفض.. الأمر الذي دلل- وبوضوح- على أن المقصود لم يكن تحقيق العدل بقدر ما كان المستهدف هو نقض السيادة.. خاصة وأن لأمريكا سابقة مماثلة- إلى حد ما- لم تصر الولايات المتحدة فيها على تسليم المتهمين، بل رضيت بنتائج قضاء الدولة مسرح الجريمة.. وذلك عندما أختطف خمسة فلسطينيون عام 1986طائرة أمريكيّة في مطار كراتشي بباكستان، نتج عن اقتحامها مقتل 22 من ركابها.. لم تطالب أمريكا يومئذ بتسليم الخاطفين، وتركت الأمر للقضاء الباكستاني الذي أصدر حكما بإعدامهم في يوليو 1988.

وإمعانا في انتهاك السيادة، رفعت الدول الغربيّة سقف مطالبها إلى إلزام النظام الليبي بنبذ الإرهاب والقبول بالتفتيش على برامج التسليح. ثم استصدرت أمريكا وبريطانيا من مجلس الأمن القرار 748 في مارس 1992 الذي تضمن فرض عقوبات لها دلالات رمزية في المساس بسيادة الدولة أهمها الحظر الجوي. تلاه بعد ذلك في نوفمبر 1993القرار 882 بعقوبات أكبر.

وبعد مناورات دامت قرابة عقد كامل اختار النظام الليبي أن يفرط في سيادة الدولة مقابل ضمانات بعدم ملاحقة رأس الهرم فيه.. فقام بتسليم مواطنين ليبيين ليحاكما أمام القضاء الاسكتلندي في معسكر كان قاعدة عسكريّة أمريكيّة على أرض دولة عضو في الحلف الأطلسي.

أمّا فيما يخص الجانب الفرنسي؛ فكأنما التاريخ يعيد نفسه.. فرنسا التي لم تكن متحمسة لقرارت 1947 و 1949 الخاصة بسيادة الليبيين على أرضهم، لم تكتف بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن في عقد التسعينيات، ورأت- والأمر يتعلق بالسيادة- أن يكون خرقها واضحا وصريحا وبشكل مباشر.. فعوضا عن أن تتمسك بمطلب تسليم المتهمين؛ قررت أن ترسل قاضي التحقيق الفرنسي جان لوي بروغيير على متن سفينة عسكرية فرنسيّة للتحقيق مع موظفين رسميين في الدولة الليبيّة.. الامر الذي اعتبر حتى في الأوساط السياسيّة الفرنسيّة أنه خرق فاضح لسيادة ليبيا.

ولكن الأدهى أن امتهان سيادة الدولة الليبيّة وانتهاكها لم يكن مقصورا على الدول العظمى وحسب، بل تعدّاها لتصير ليبيا تحت وطئة الأزمة مطمعا لكل طامع.. فانتهزت دول وشخصيات اقليميّة ودوليّة أزمة النظام والعقوبات المفروضة عليه، لتمارس ابتزازا مقيتا، جعل خيرات ليبيا مسخّرة بالكامل لغير أهلها.. وعلى الطرف الآخر، قابل النظام الليبي هذا الابتزاز باستعداد - منقطع النظير- للتفريط في كل شي مقابل مطلب واحد، وهو ضمان عدم ملاحقة رأس النظام.

فعلى سبيل المثال؛ في 13 فبراير 1994 صدر قرار محكمة العدل الدوليّة لصالح تشاد فيما يتعلق بالنزاع حول شريط أوزوالحدودي.. ووسط دهشة المراقبين- بدلا من رفض القرار أو حتى معارضته- سارع النظام الليبي- على غير العادة- إلى إرسال وزير خارجيته يوم 4 مارس 1994 إلى انجامينا لترتيب قرار الانسحاب من الشريط المتنازع عليه.. وبطبيعة الحال لم تدم الدهشة طويلا.. فقد اتضح أن النظام كان قد بيت النيّة لتقديم اقتراح يوم 22 مارس 1994 يقضي بمحاكمة المتهمين افحيمة والمقرحي أمام محكمة العدل الدوليّة.. وبالتالي كانت هناك حاجة ملحة إلى الإسراع بالتنازل عن أوزو، لإيهام الدول الغربيّة بأن هذا النظام ينصاع لما تقره المحكمة الدوليّة.

لقد أثبتت أزمة الطائرتين- بما لا يدع مجالا للشك- أن نظام القذافي لا يقيم وزنا لسيادة ليبيا أو استقلالها.. ولم تكن مناوراته خلال الأزمة إلا من أجل البحث عن ضمانات أمنيّة توفر السلامة للنظام وتكفل استمراره.. لذا في اللحظة التي لاحت فيها تلك الضمانات لم يتردد البتة أن يلج بليبيا في مسلسل طويل من التعويضات والتنازلات، الذي لن يتوقف- طالما هذا النظام قائما.. وارتضى أن تستباح الدولة بلجان أمنيّة، ولجان مراقبة، ولجان خاصة للتفتيش عن برامج التسلح، وأخرى لتفكيكها وشحنها إلى الولايات المتحدة.

وإن كان النظام قد خرج من العقوبات ومن بعض العزلة المفروضة عليه، إلا أنّ ليبيا الدولة فقدت سيادتها وهيبتها وامتهنت واستبيحت، وصارت مسخّرة بالكامل لخدمة مصالح الآخرين.. بل وصل الأمر مهانة إلى حد تمركز قوات إيطاليّة على التراب الليبي حماية لشواطئ إيطاليا من الهجرة غير الشرعيّة. لتعود ليبيا مرة أخرى الشاطئ الرابع لإيطاليا.

والمؤسف حقا أنّ ليبيا بعد أكثر من نصف قرن على استقلالها؛ وبفضل إبداعات محرر البشريّة، وصاحب عصر الجماهير، تعود من جديد إلى مربع ما قبل الاستقلال.. مرتهن مصيرها في يد ذات الدول التي اختلفت حولها سنه 1947.. فمستقبلها- سياسيا واقتصاديا- مرهون لأمريكا وبريطانيا، ولفرنسا أطماع وتصورات في إطار ترتيبات الأمن القومي الأوروبي.. وإيطاليا تدعي حقوقا تاريخيّة ومصالح قوميّة آنية.. ومدانة ليبيا لروسيا بمليارات الدولارات ثمنا لخردة باليّة،.. ناهيك عن أطماع تقسيم ووصاية من جار وشقيق.. وعليه يظل الإبداع اليتيم الذي يحسب لنظام القذافي أنه نجح في نقض سيادة واستقلال ليبيا أنكاثا في فترة أقصر بعقد كامل من تلك التي احتاجها غزلهما.

غير أنّ المخزي في حق النظام وأركانه ومعاونيه أنهم خُيّروا كما خُيّر أسلافهم إبّان معركة الاستقلال؛ بين سيادة الدولة وسلامة النظام فاختاروا- على العكس مما فعل أسلافهم- التفريط بالكامل في سيادة الدولة واستقلالها، وتعلقوا بأهداب السلامة.. سلامة- في تقديري- لا تعدوا كونها وهما زائفا ستنكشف حقيقته عما حين.. وهذا أمر نترك الحديث فيه إلى قراءة أخرى.

سالم الحاسي
alhasi@bellsouth.net

_____________________________
* نشرت في مجلة الحقيقة السنة الثانيّة العدد العاشر - قراءات
 

الرئيسية | من نحن | اتصل بنا

© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.