29/03/05
|
خلفيات خطاب القذافي الأخير !
هذه المقاله – وإن تتحدث عن موقف الحكام العرب بوجه عام – إلا أنها قد ولدت على خلفيات خطاب القذافي الأخير في القمة العربيه .. فقد بدا القذافي لي - على الرغم من أنه حاول أن يبدو متماسكا ً وشجاعا ً في مواجهة الإملاءات الغربيه- يمر بحالة من القلق الشديد بل حالة من الرعب ! .. هذه الحاله التي يحس بها كل حكام العرب اليوم ولكن بتفاوت نسبي بينهم ولاشك أن موقف القذافي أشد إحراجا ً.. فهو وإن كانت بريطانيا قد حسمت موضوعها ومصالحها معه - على مايبدو - على أساس توثيق صلتها الأمنيه والإقتصاديه به - فإن إمريكا تركت القذافي حتى الآن كــ( المسلوخه المعلقه ) ! .. مما دفع القذافي إلى إبداء قلقهورعبه حول هذه الموضوع وفي أكثر من مناسبه حتى أنه سأل غاضبا ً ذات مره كطفل صغير يسأل عن قطعة الحلوى التي وعد بها إذا أحسن السلوك : (( أين المكافأه التي وعدونا بها. !!؟؟)) .
أمريكا .. هل ستمنحنا الديموقراطية !!؟؟
يعيش الحكام العرب هذه الأيام – وعلى رأسهم عميدهم العتيد ( وصقرهم الوحيد ! ) – حالة مأسوية من الرعب وعدم الاستقرار وعدم الاطمئنان تكاد أن تتحول في بعض الأحيان إلى حالة هستيريه مفضوحة وهاجساً أمنيا ً لا يهدأ ولا ينام ! .. عبر عنه القذافي بشكل واضح وفاضح في خطابه الأخير في القمة العربية ! .
وهذه الحاله ليست ناشئه فقط عن الضغوطات الغربيه الداعيه إلى إصلاح أوضاعهم الداخليه وتحسين صورتهم و( منظرهم ) أمام العالم والعمل الجاد على التخفيف بقدر الإمكان من شدة الإستبداد وحدة الفساد المستشري كالسرطان في أنظمتهم الديكتاتوريه ( الديناصوريه ) المتكلسه !.. بل هي ناشئة كذلك عن ضغوطات داخليه متناميه ومتراكمه منذ عقود وعن المخاض العسير الذي تعيشه المنطقه وعن تصاعد حركة المطالبه بالحقوق والحريات الأساسيه والإنسانيه والمطالبه بالإصلاح والتغيير .
بالطبع فإن هذه الضغوطات الغربيه على هؤلاء الحكام لا تمارس عليهم من قبل الغرب لوجه الله أو لوجه الحريه أو لوجه الديموقراطيه أو عطفا ً على الشعوب العربيه وحقوق الإنسان كما يزعمون !.. بل لإسباب وأخطار إستراتيجيه تنذر بحدوث زلازل وبراكين في هذه المنطقة إذا ظل الوضع على ما هو عليه بسبب شدة الإستبداد وحدة الفساد الضارب بأطنابه في هذه البلاد ! .. زلازل وبراكين تهدد بضرب مصالحهم الإستراتيجيه في العمق والصميم ! .
وقد مرت منطقتنا من قبل – في حقبة الخمسينيات والستينيات - بمثل هذه الحاله من الإلتهاب الحاد – بعد الإستقلال – وكانت الأحوال يومها تنذر بإنفجار البركان ومجئ الطوفان وتهدد بخروج المنطقه بالكامل عن سيطرة الإنجليز والفرنسيس والإمريكان ولكنهم سبقوا الأحداث ولم يتركوا الأحداث تأخذ مسارها الطبيعي المتسلسل الذي ينتهي بالإنفجار المحتوم وشكلوا المنطقة على مقاس مصالحهم بخبث ودهاء وبطريقة جنبتهم خسائر إستراتيجيه فادحه في بعض البلدان بينما إختارت في بعض البلدان الأخرى خيار أخف الضررين وأهون الشرين ! (1) .
واليوم يعود هذا الإلتهاب الحاد إلى المنطقه بقوة – وإن بصورة أخرى (2) – بسبب شدة الإستبداد وحدة الفساد من جهة ومن جهة أخرى بسبب تداعيات القضية الفلسطينيه والممارسات الشارونيه ضد الفلسطنيين !. ومن ثم أصبح الوضع العربي يهدد – من جديد – بقدوم الطوفان وإنفجار الإمريكان وخروج المنطقة عن نطاق السيطره والتحكم الغربي ! .. مما يعني ضياع مصالحهم الإستراتيجيه أو خروج المارد العربي الإسلامي من قمقمه من جديد!.
ومن ثم وبسبب هذه الأخطار والمخاوف التي حذر منها كتاب غربيين يمينيين ودعوتهم إلى أخذ الحيطة والحذر وإلى مسابقة الزمان وضرورة الأخذ بزمام الأحداث وسبق وقوع الكارثه أصبح تشكيل المنطقه العربيه من جديد هدفا ً حيويا ً إستراتيجيا ً لإجتناب قدوم الطوفان وإنفجار البركان إذا إستمرت الأوضاع على ما هي عليه سواء من ناحية الإستبداد والفساد المتفشي في المنطقه أو من ناحية الصراع العربي الإسرائيلي ومأساة الشعب الفلسطيني .
ومن ثم نشهد هذا التحرك الواضح المكشوف – والذي تقوده الولايات المتحده – بغرض تهدئة الأوضاع ومعالجة هذه الإلتهابات الحاده المزمنه التي تحرض بشكل مستمر على التمرد والإنفجار .. ولقطع الطريق على عمليات تحطيم السدود وقدوم الطوفان ! .
وهذا التحرك الإستراتيجي – الذي تقوده أمريكا – بغرض إعادة تشكيل المنطقة وتسكينها وتهدئتها وإدخالها في دورة جديدة من السكون والإستسلام يتم في إتجاهات رئيسيه ثلاث :
(1) التخفيف بقدر الإمكان من شدة إلتهابات الصراع العربي الإسرائيلي بإيجاد دويلة مستقله للفلسطينيين (2) التخفيف بقدر الإمكان من شدة الإلتهابات السياسيه في الأقطار العربيه والناشئه عن حدة الفساد وشدة الإستبداد . (3) العمل – بكل الطرق – على ( لبرلة ) و ( أمركة ) الثقافه العربيه الإسلاميه السائده والتخفيف من شدة وحدة الأفكار والعواطف الإسلاميه وسيطرتها على الشارع العربي .
إذن فإعادة تشكيل المنطقه – قبل فوات الأوان وإنفجار البركان – أصبح هدفا ًً ملحا ً وضروريا ً بالنسبه لراسمي الإستراتيجيه الغربيه .. وهذا الهدف ليس وهما ً ناجما ً عن عقلية المؤامره كما يلمح أو يصرح البعض بل هو حقيقة ماثلة للعيان و شئ ملموس في تصرفات وتصريحات الإدارات الغربيه على وجه العموم والإدارة الإمريكيه على وجه الخصوص.
والشئ المؤكد أيضا ً أن إقامة نظم ديموقراطيه حقيقيه يتم فيها التداول السلمي للسلطة حسب إرادة الشعوب وعن طريق إنتخابات حرة ونزيهه ليس مطلبا ً حقيقيا ً وجادا ً خلال هذه المرحله من قبل الإدارة الغربيه إذ أن راسمي الإستراتيجيه يرون أن هذا الأمر سابق ٌ لأوانه ! .. فلابد أولا ً – حسب رؤيتهم – وقبل إقامة نظم ديموقراطيه تقوم على إرادة الجمهور - من لبرلة بل وأمركة وعلمنة العالم الإسلامي ويدخل في نطاق هذا الأمر :
(1) التغيير الثقافي والتحرر من العادات والتقاليد الموروثه وأدوات هذا التغيير والتحرير بالدرجة الأولى هو وسائل الإعلام والتعليم .
(2) دعم وتقوية القوى الليبراليه العلمانيه في العالم العربي وخصوصا ً المرحبه بالأمركه ! .
(3) إضعاف شوكة التيارات الإسلاميه وتحجيمها وتجفيف منابعها ومصادر قوتها الماديه والمعنويه ! .
إذن فالمطلوب إمريكيا ً خلال هذه المرحله ليس إقامة ديموقراطيات حقيقيه في العالم العربي كما يتوهم بعض الواهمين ! .. بل المطلوب – خلال هذه المرحله – بالإضافة إلى محاربة ماتسميه أمريكا بالتطرف والإرهاب وإيجاد دويلة للفلسطينين يدعمها الغرب ماديا ً – هو التخفيف بقدر الإمكان من شدة الإستبداد وحدة الفساد اللتان تثيران إلتهابات شديده وحاده في المجتمعات والدول العربيه وتساهمان في إثارة حالة الغضب العربي الشعبي المتناميه ! .
وبإعتقادي أن التعامل مع الأنظمه العربيه والحكام العرب سيختلف من حالة إلى أخرى فلكل حالة ظروفها وملابساتها وإستحقاقاتها ! :
(1) فهناك نظم سيتم مطالبتها فقط بإصلاح سلوكها السياسي والإقتصادي بحيث يتم التخفيف من حدة الطغيان وشدة الحرمان بقدر الإمكان ! .
(2) وهناك نظم يجب عليها إصلاح وتعديل بنيتها السياسيه والإقتصاديه لتلائم متطلبات المرحله .
(3) وهناك رؤوس يبدو أنها ستطير !! .
لذلك فالحكام العرب – بما فيهم القذافي / عميد الحكام العرب ! – حائرون هذه الأيام وقلقون جدا ً أشد القلق كمن ينتظر نتيجة الإمتحان أو نتيجة فحوصات الطبيب حول علة غامضه ! .. فهم لا يعرفون ماذا تريد أن تفعل بهم أمريكا بالضبط ؟ .. وماذا ستفعل بهم شعوبهم إذا إنفجر – على حين غرة – البركان !؟ .. وبعضهم بل ربما معظمهم وتحت إلحاح الضغوطات الغربيه ومطالب النخبه السياسيه بضرورة إجراء إصلاحات تحد من شدة الإستبداد ومن حدة الفساد لايجدون من سبيل سوى التستر وراء ثقافتنا وعاداتنا العربيه والإسلاميه والتظاهر بالغيرة الدينيه عليها طمعا ً في كسب عواطف الجماهير ! .. وبعضهم حاول بطريقة غاية في الديموغواجيه أن يصور المطالب الغربيه ويكأنها مركزة على قضية الحجاب والختان ! كما فعل القذافي في خطابه الأخير في القمة العربيه حيث حاول – بطريقة ديموغواجيه مكشوفه - أن يلعب من خلال هذا الخطاب ومن خلال منبر مؤتمر القمة المفتوح دور حامي حمى العادات والتقاليد الإسلاميه وثقافتنا الدينيه لكسب عواطف الجماهير بينما في الحقيقة وكما يعرف معظم الليبيين أن القذافي كان ولايزال من ألد أعداء العادات والتقاليد الإسلاميه وثقافتنا الدينيه وتصريحاته التي تنضح بالطعن والسخريه بهذا الخصوص أشهر من العلم ! .
أخوكم
المحب : سليم نصر الرقعي
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()