10/03/05
|
عالم جديد... أم مقنّع ؟؟ (2)
إن كلا منا قادر على أن يغير العالم ولو لم تكن له أقل أهمية أو أقل سلطة. الرئيس التشيكي السابق هافلاف.
( عموم، خصوص،خصوص مطلق) هذه المعطيات الثلاث تبدو محورية في كل تفكير مقارن، فبين كل الظواهر والوقائع تبدو علامات التشابه العامة والخاصة و كذلك الخاصة جدا التي تنفرد بها هذه الواقعة أو الظاهرة أو تلك، ونتيجة لذلك من الممكن أن يشد أحدهم انتباهنا إلى اتفاقات كثيرة بين ظاهرتين أو أكثر، ويمارس التمويه والتعمية إزاء المختلفات والمتنافرات بين نفس تلك الظواهر. دون حتى فصل بين الجوهر والملابسات... أو غير ذلك.
وعندما نتحدث عن الغزو الأمريكي للعراق، نرتبط في العقل أو الشعور بغزو أخر حدث في الماضي، ذكرنا مثالا له قبل في ج1( التتار)، وينبري بعضنا في المقارنات التي لن تعدم أدلتها، طالما لم نفصل بين العموميات والخصوصيات، وحدود كل منها ودلالاتها، أريد هنا أقارن بين ثلاث حالات تاريخية محورية في حياة المنطقة وتاريخها وبين الغزو الأمريكي للعراق، من جهة مناخها التاريخي والحالة المزامنة لها في الوعي الجمعي وهي:
1/سقوط بغداد في يد المغول. 2/الحملة الفرنسية على مصر. 3/ نكسة عام 1967 أمام إسرائيل.
لو تأملت الحالات الثلاث لوجدت أنها كانت بمثابة الصدمة، ولها طابع المفاجأة، فكتب التاريخ تروي لنا كلاما بلاطيا عباسيا عن الرعاع البدو الرحل الذين تجرأ قبائلهم على هيبة الدولة الإسلامية العظيمة، وهم المغول التتار.
ثم كذلك (في المثال النابليوني) كانت هناك رغم مظاهر الضعف، حالة من الانتشار بالتفوق الإسلامي على النصارى الصليبيين، ورغم تقدم أوربا إلى أن الشعور العام كان يمتلئ آنذاك بنوع من الاستعلاء بالتاريخ، والعقيدة، والدولة، أمام الفرنجة الذين لم يكونوا إلا أقل شأنا في الوعي بكل حال.
وفي نهاية الستينات كان العرب قد امتلئوا بزعيق القومية، حتى ثملوا، وبدأو ينتظرونا ويتلهفون على حين الساعة التي سيقذفون بها إسرائيل في البحر، كان الشعور العام هو أن الساعة النصر قد دقت، وزمن الثأر قد أقبل، وأن الأمور ستسفر قريبا ويعود الحق لأصحابها.
في الحالات الثلاث أستقر الأمر على تفاؤل ما، أو ارتياح، واطمئنان، أعقبه صدمة ونكسة، ورجة في عمق العمق، هذه الرجة لم تكن مؤقتة، أو لم تكن محدودة بل أمتدت وظلت شبحا يزأر في سماء الروح العربية، ويذكرها بخيبتها، ويكشف لها عن فداحة أوهامها، وخداع سرابها الذي كان تعتاش منه، فأنبثقت أحلك التيارات وأظلم الرؤى التشكيكية ...... لسبب بسيط أن الأزمة لم تكن طارئة وفي نفس الوقت لم تكن متوقعة أنها المفاجأة المستديمة..... أو اللامتوقع الذي حل ضيفا ثقيلا حتى أستملك الدار وساكنيها.
فماذا عن حالتنا الراهنة؟؟ فمن زاوية الحالة العامة التي سبقت الغزو الأمريكي كان هناك انهيار وتلاشي للنظام العربي، وتراجع على مستوى الأداء الثقافي، منذ متى لم نسمع برواية أو قصيدة أو عمل فني أدبي مدوي؟؟، الجميع يشكو من التكرار واللامعنى واللانقد، ثم حلت لحظة الغزو فلم تأتي كسابقاتها لتحطم الوهم وتزيل الغشاوة، بل أتت لتؤكد التراجع، وتحقق الهبوط والتلاشي.
فهل نستطيع أن نرتب شيئا على هذا الاختلاف؟؟ ماذا يعني أن يكون الغزو بعد وهم الإمتلاء أو يكون في أتون ضغوط الخيبة؟؟ هل ثمة نتائج أو إستنتاجات مختلفة.
مبدئيا لنقل أن في الحالات الأولى( وبقدر أقل في الحملة الفرنسية لظروف أخرى محتملة)، أصاب البناء العام موجة من السكون ولإرتياع وفقدان التوازن، وربما هذا كذلك يشبه ما حدث للمسلمين غداة سقوط الأندلس.
ولكن كيف نتصور من هو موقن بالانهيار، وتكسرت فيه النصال على النصال؟؟؟ ألا يمكن أن يكون ذلك دافعا للنهوض؟؟فليس هناك أسؤء.
ثمة فارق ينبغي حسبانه في تحليلنا هنا وهو تمايز جديد داخل البنية الاجتماعية ثقافيا، وهو ناجم عن كون الثقافات لم تعد مغلقة، وانتشار ثقافة تختص بها النخبة، فصار هناك الرفيع مقابل الشعبي واليومي، والرمزي مقابلا للمادي، والفوقي مقابل التحتي، وهذا التمايزات حتى إن قلنا أنها كانت موجودة ( جدلا)، فقد تعمقت اليوم وصار لها تفاعيل ومفعولات على الأرض لا تنكر بحال.
وهذا ما قادنا إلى تصور أن الغزو الأمريكي ربما كان بعكس سوابقه (ونظائره التاريخية)، معاملا دافعا وليس مثبطا لتغيير وجه الحياة العربية المعاصرة.
وقبل أن يتسابق إلى الأذهان أي تهمة (بالأمركة) أريد القول بأنني أفصل تماما بين إرادة المشروع الأمريكي ، والأثر الواقعي أو انعكاساته على الإرادة أو الإرادات العربية المختلفة. فما تريده أمريكا، ليس هو بالضرورة ما سيسفر عنه فعلها في الوجدان والعقل والنفسية العربية المعاصرة، فلنتذكر أن نابليون أنتهى مسجونا مبعدا في جزيرة، لكن أثر حملته على إيطاليا وألمانيا هي التي أدت إلى تطورات دراماتيكية غيرت وجه التاريخ في كل أوربا بل والعالم، فالأثر يبقى ويتفاعل ويتوالد بغض النظر عن المؤثر، لعوامل كامنة وجنينية، في داخل الكيان.
ولكن ماهي ملامح التغير والولادة الجديدة في عالمنا؟؟؟ ولماذا نصر على عالم جديد ليس هو السابق وقد تقنّع؟؟
حديث أخر.... أحتاج أن أضع قلمي قريبا لأعود إليه.
ودمتم بود
طارق القزيري
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()