12 نوفمبر 2004
طارق القزيري
|
أطفـال ليبيـا الكـبار
* نم هنيئا أيها القط العجوز... ثمة شعراء يرسمون لك فئرانا سمينة (ش.ع)
الإهداء: إلى رائع كان هنا... إلى منيـرالورفلي!!!
يقول الليبيون( قطع الرأس ولاقطع الرزق )، وهذا منطق خطير ربما يؤدي لتسهيل التصفية الجسدية، بدلا من رفع الدعم المزمع في ليبيا. على كل حال لاأريد من طلاب وخريجي (كليات العلوم – قسم الأحصاء)، أن يفهموا محاولتي هذه ضدا لهم وقطعا لأرزاقهم ، لكنني أريد القول أن علم الأحصاء المعروف لدينا ربما ليس مناسبا (فالنزعة المركزية و التشتت والأنحراف ومؤشرات الأستدلال .. الخ)، لم تفلح في بيان عدد الأطفال في ليبيا، إذ لاتزال فئات عديدة لاينطبق عليها الوصف ( الطفولة) رغم عراقتهم فيها. وأخص بالذكر هنا (المثقفين) أي من يتصدى للكتابة الدورية ومناقشة شؤون مجتمعنا ولنقل أغلبهم هربا من الفكر الإطلاقي.
فإذا تكلل مسعاي بالنجاح ربما يجتهد البعض لتدبير أمر الأحصاء الليبي بدلا من (الوصفي).
وعموما فإن دليلي على ماأقول عدة علامات يشترك فيها المثقف الليبي والأطفال دعوني أسردها على مسامعكم أو(مقارئكم) ولكم وحدكم الحكم ( وليس الحاكمية).
*العلامة الأولى : أن الطفل يصعب عليه فهم العلاقات والأسباب الحقيقية(الجوهرية) وهي مالايعلم إلا بالتطور والنمو وليس بالتعليم والسرد.
كان طفل صديقي يلح على أمه دائما بأن تنام معه في غرفة الأطفال ، فليس هناك مبرر للنوم في غرفة والده الكبير ( كما يقول الطفل) وذات يوم أصر وألح على الأقل لمعرفة سبب تركها أياه وحيدا في الليل. فأضطرت الأم للقول بأن والده يحتاج للماء أو بعض الخدمات الأخرى في الليل. فصمت الصبي، وحينما أرادت الأم وضعه في سريره وإحكام الغطاء تمسك بها قائلا أنه وضع الماء لوالده شخصيا فليس هناك مبرر الأن لنومها هناك. لكن الأم بشرته بأنه عندما يكبر سيتزوج وتنام زوجته بجانبه وأطفاله في غرفتهم. رضي الصبي بالبشارة لكنه صاح عندما أرادت أمه الخروج:وإطفاء النور( ماما !! أنا مانبيش نشرب أمية في الليل بعد نكبر !!!! ). وقد حضرت نقاشا ساخنا بين مثقفين ليبيين حول اللغة أيهما أنسب لغة السلف أم اللغة المعاصرة أو الحديثة ، وكان كل فريق يحشد أدلته ويسفه أدلة الأخر ، وكان من الصعب تماما إقناع أي منهم بأن الأمر موقوف على ثقافة وحصيلة علمية وأصطلاحية ، ولاعلاقة له بالرغبة، وإلا فلغة الشاطبي لاعلاقة لها بلغة الشافعي ( اول من ألف في الأصول ). ليس إلا لأن الشاطبي يعيش في زمان أخر وعالم أخر وعلوم أخرى تجعل الذهنية مغايرة والمفاهيم مختلفة، وبالتالي تختلف اللغة، فهو ببساطة لايستطيع أن يخالف مكونات ثقافته لمجرد الرغبة، أم ان المعاصرين يستطيعون نقد الماركسية ( مثلا) بمصطلحات أبن تيمية وأبن حجر؟؟ لكن مثقفينا الكبار يرون الأمر أشبه بالماء في الليل عند ذلك الطفل (الملاطعي). فكيف يفهم هذا وهولاء جلية الأمر إلا بأن يتطوروا هم أنفسهم ويكبروا عن اللغة القديمة وغرفة الأطفال .
*العلامة الثانية : أن منطق تفكير الطفولة (وضعي) وليس (قيمي)، أي المضمون والدوافع ملموسة لا أخلاقية أو حضارية.
فإذا خرجت من بيتك على صراخ وعراك أطفال الشارع وأردت التوسط لوجه الله، وحق الجيرة فستسمع الأول يقول لك: ( ورأس أمك أطلقني عليه) ويتوسل إليك الأخر (ورأس أمك تطلقه والله مايقدر أيدير فيها حاجة). المعنى المفترض أنك تتوسط فقط لمنع الخسائر المادية أم أن العراك لايليق أو لايجوز وعيب فهذا غير مطروح آنذاك .
تحدثت ذات مرة مع مثقف ليبي ودرج بنا الحديث عن مقالات تناولت بعض مايدعو إليه من أفكار وأنتقدت عدة أطروحات تقدم بها، فضحك وقال ( خليك منه، شن يقدر أيدير اللي زي هضا رأس ماله دوة وتخربيش)، دعنا من أن هذا المثقف يعود على أصله هو بالذات بالبطلان، فهو صاحب خربشة ودوة لاغير. ولكن المشكلة هي عدم النظر للنقد والأختلاف بمنظور إيجابي وتراكمي مفيد ومنتج. وهذا الأمر تحديدا يعكس في أحيان كثيرة ويفسر قوة الردود من البعض على البعض الأخر فالثقافة الليبية تسخن تماما عند المساس ( باللحم الحي) وحين تكون الكلمة موجعة فقط لا حين تكون مقنعة أو موضوعية أو ماشابه ذلك. إن المنطق الضمني المحرك لسلوك أطفال الجيران ومتقف البلاد واحد لاغير. لكننا نصف الأطفال بسوء الأدب. ونقول عن طفلنا الكبير( المثقف) أنه راجل عاقل ورزين . أم ماذا ؟؟
لا أحد يطالب بسحب لقب المثقف من الكتاب الليبيين, ولكن لماذا نحرم طفل ليبيا المسكين من حقه في اللقب
العلامة الثالثة : لايلجأ الأطفال عادة لتقدير نجاعة الوسائل عمليا، بل العامل المعتمد هو الرغبة أكثر منها الجدوى. فتجارب الأطفال لاتثمر ولاتنتهي في الغالب.
....أراد الأب مشاكسة طفله فأخفى ( الريموت كنترول)، وبدأ يتحدث بأسماء قنوات فضائية فيما هو فعلا يستخدم (الريموت) خفية عن الطفل، وعنى له الخروج لأمر طارئ فعاد بعد فترة فإذا بالطفل يمد يده في أتجاه جهازالتلفزيون ويصيح غاضبا ( قناة الرسوم!!...قناة الرسوم!!..قناة الرسوم!!..). لكن التلفزيون البليد لم يفهم حتى عودة الأب.
فرغم معرفة معظم كتابنا أن غالبية شعبهم لايقرأ وإذا قرأ ليس بالضرورة أن يتواصل مع مقصود الكاتب أو المبدع.لكنهم يتفنون دائما في محاولة المضي بعيدا والنأي عن قدرات واقعهم الخطابي أو المتلقي عموما. يمكنك فقط أن تحضر عرضا مسرحيا، لتشاهد إشارات دلالية لاوجود لأي وسائل منطقية مناسبة لها بالنسبة للمشاهد العادي بحيث يدركها. فالخلفية الزرقاء (مثلا)تشير للسماء والبحر حيث دلالة الحرية مع المشاهد الدراماتيكية الأخيرة وموت البطل . وعندما يسمع مثقفنا قصة الطفل (وقناة الرسوم المتحركة) يمنحك أبتسامته العريضة ويقول لك ( لعويلة أيضحكوا ياراجل). وعندما يسئل عن رأيه في العرض المسرحي يقطب جبينه ويواجه الكاميرا (بالعين المليانة) ويقول: أعتقد أن تقدير المخرج للأبعاد المتاخمة والحافة الناجمة عن القراءة التحويلية للمعيوش البراني وإلتزاماته الجوانية. لاتتبدى بالشكلانية المتوجة بالقبول.
فبحق الله قليلا من الإنصاف تجاه طفل ليبيا الصغير المبدع المدفون.
العلامة الرابعة: لاتستمد قيمة الأشياء لدى الطفل بالنظر إلى الحاجة والإشباع والإستحقاق بل فقط مقارنة بوزنها الإجتماعي .
فعندما توزع الحلوى على الأطفال مجتمعين وينال كل منهم نصيبه، لايعولون على مناسبة الكمية لهم كل على حدة. بل يتطلعون إلى حصة الأخرين متسائلين بفضول ( كذا وريني حصتك!! كم حصلت؟؟). و حتى العقوبة لايعترض عليها من باب العدل والإنصاف بل يشكوك إلى عدالتك وضميرك قائلا: ( باهي كنّك ماضربت لخرين؟؟؟).
وعندما تلاحظ المعايير التي تعتمد لتقييم المثقفين أنفسهم، يشار فقط إلى عدد المؤلفات، أو الندوات التي شارك بها،أو المعارض التي تصدى فيها للجمهور. فهل لدينا فعلا من كتب كتابا ناقش فيه قضية ملحة وذات حساسية وطنية أو إجتماعية. يستغرب المرء فعلا عندما يلاحظ غياب كتابات الواقع رصدا وأستقراءَ وأستشرافا. فهذه أمور ربما لاترفع الرصيد الإجتماعي، وتتطلب مجهودا لاداعي له طالما السؤال المهم هو عن ( كمية حصتك). لا عن مضمونها وفاعليتها المجتمعية.
ربما سيقول أحدكم مخاطبا ( صاحب هذا المقال ) وانت شن درت ؟؟؟ في الحقيقة إن هذا السؤال أشبه بسؤال الطفل لشقيقه عن الحلوى ... فبالله عليك هل خطر هذا السؤال ببالك حقا الأن؟؟ فإن كان فهنيئا لك عضوية نادي الطفولة الليبي الموسع.
العلامة الخامسة : أن الطفل لايهتم بمصدر وملائمة ألعابه وملابسه وطعامه، وكونها مناسبة أم لا للظروف والمناسبات. مالم يضغط عليه الكبارلتحديد مايليق ومايناسب.
فقد كان أحد الأطفال يصر على أرتداء (شنة والده) في العيد. محدثا جلبة وفوضى وأحتجاج مدوي. بالرغم من ( الشنة) تمنعه أساسا من الرؤية ذلك أن ( الكاط الجديد) شبيه بكاط والده مما يعني ضرورة التشابه التام حتى ولو أدى الأمر إلى أستخدام مانعة الرؤية.
وبإمكانك أن تتذكر معي عديد القضايا التي لاتعنينا ولاتناسبنا البتة والتي تورط فيها مثقفونا الأفذاذ مثل سؤال ( لماذا نكتب..؟؟). أو قضية الالتزام أو الأنتماء ( المنتمي واللامنتمي )... الخ . بدون أي مراعاة أن كل هذه القضايا جاءت أساسا بعد مرحلة الحداثة ( في الفكر الغربي). وهذه أمور لاتناسب مجتمع يحتاج للكتابة والقراءة مثلما يحتاج إلى الطعام ( تقريبا )، فهل جربت أن تسأل جائعا لم يأكل من يومين لماذا نأكل؟؟؟ جرب إذا وأحصل على النتيجة ( مجانا). أو دعونا نتساءل لماذا نتكلم ؟؟ أليست الكتابة صنو الكلام من حيث هن وسائل تعبير. كيف يمكن الحديث عن جدوى الكتابة في وسط لم يعرف الكتابة بعد .. أو عن الالتزام وعدمه في بلد يغرق في عقده ومشاكله المزمنة والمصيرية. أن تخصصية العالم الحديث ليست مجرد موقف شخصي وفلسفة ذاتية، بل تتويج للتشبع بالمكتسبات الفكرية طوال قرون عصور الأنوار والنهضة والعقلانية الماضية ( كما تسمى في التاريخ الغربي نفسه). وغير بعيد من هذا أن تنظر إلى الألقاب التي يصبغها المثقف على نفسه فهو باحث في الشؤون الليبية. وهو دارس في التفاصيل الإسلامية، وهو ... وهو ... مجرد عكاكيز وبدل جاهزة لتكميل الشخصية ومواكبة العصر ... فارغة المضمون فقيرة العطاء يختبئ تحته طفلنا الكبير. ويتشبه بالكبار فعلا ( كما يراهم). إنه في حالة الطفولة الصغيرة مدعاة للضحك والفرح وفي الثانية ( الطفولة الكبيرة) مطلوب للعلاج النفسي. والدراسة المجدية والمعاصرة فعلا.
العلامة السادسة : أن الطفل يطالب نفسه ويفترض أن الأخرين يطالبونه بحل مشاكلهم أو يساعدهم في ذلك. في حين أن أقصى المطلوب منه أن ( يريّح روحه ويهمد ) لاغير.
كم من طفل حاول أن يساعد أبوه في قيادة السيارة أو تشغيل محركهاعلى الأقل. وكم من طفل تحمل الوزن الثقيل وغالب الأمرين ليجلب أدوات ومعدات لوالده أو أمه إعانة ومساندة . وهي أمور ربما تؤول إلى السهر على صحته بعد كم حادث سببه عدم تقدير المسؤليات.
ومثقفنا الليبي يشعر بأن عليه أن ينقل شعبنا قصرا إلى التقدم والعصور المشرقة. فهو دائم الشكوى من أحدا لايقرأ ولايهتم. وهو سريع الضجر لأنه مستعجل يريد إنجاز مهمته بسرعة ويرتاح. ويرى أن الأخرين لايقدرون مجهوداته التاريخية حق قدرها. ولعل هذا يفسر لك لماذا كتّابنا على دوام مع السخط والتذمر . وإتهام البيئة والواقع بالتخلف. فيما أن مايقوله هو عبارة عن ( جلد ذات) لايبني ولايعمر ولايؤدي لشئ. بل ربما أدى للعكس فعلا. فهل تفضل طفلنا الكبير على مجتمعه بأن يريحه من عبئه الشخصي على الأقل.
لايزال مثقفنا يستمع حزينا إلى محمد حسن وهو يردد ( ليش ماجابت الدوا ؟؟ وأنا دوايا معاك !!!). في حين ينسى أن جيران الشرق وفي لحظة أفضل مما هم الأن كانوا يرددون مع عمتنا الراحلة ( حب أيه اللي أنت جاي بتئول عليه ؟؟ أنت عارف أبلا معنى الحب أيه ؟؟). فليتهم يفهمون الأغاني أقله.
واقع الأمر أن العلامات أكثر من ذلك بكثير لكننا أكتفينا بهذا لكفايته ولكي لانثقل على مثقفينا فبالتأكيد لديهم العاب أخرى ( اقصد مهام ملحة وتاريخية أخرى). فهل سيلتفت أهل الإحصاء والتعداد لما نقول؟؟؟
ألا نستحق فعلا أن نوسع مفهوم الطفولة. أو على الأقل وإذا أعتبرتم هذا غير لائق وغير مقبول فأمنحوا الطفل الليبي حقه ... وسموه المثقف الصغير ... وأحجبوا أسم ( الطفل الكبير ) عن مسماه الذي تقابلونه كل يوم في الصحف والكتب وعلى الإنترنت .... وذروهم في ثقافتهم يلعب
طـارق القزيـري
|
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()