20 نوفمبر 2004
طارق القزيري
|
إحميدة وحمادة والحل الأخر (قصة قصيرة).
لاخيل عندك تهديها ولامال فليسعدالنطق إن لم يسعد الحال.
أهداء إلى المناضل : عاشور الورفلي.
شاط ( سدد) الكرة بعيدا وقال بكل ضجر وإحباط: والله ماني عارف مانديرلا!!!قريب نطربق !!...
سألناه ونحن نلتفت لبعضنا في إستغراب مرح : كنك مش على بعضك ؟؟ وعلي من تحكي؟؟
جلس على الكرة التي جلبها أحد صغار الشارع ونظر إلينا مليا، وقال يعني أنتم اللي صاير مش واجعكم، المصريين يقدروا علينا، ويسفتروا علينا كيف مايبوا !!!
كانت نقلة فعلا فأحميدا ينقل صراعه مع أستاذ فؤاد ( مدرس الرياضيات ) وزميلنا في الفصل حمادة إلى درجة الصراع الوطني. لم نفكر في ذلك الوقت كثيرا ... وكان تعاطفنا مع إحميدا واضحا ... في شارع إنتلات لايمكنك إلا أن تتعاطف فقط. قبل المرواح الى البيوت إستباقا لنزول الظلام .. وإلا لن تجد بدورك من يتعاطف معك فيما لو تاخرت .
حمادة طالب معنا في سنة ثالثة إعدادية ( و)، وكان طالبا ذكيا، غاية في النجابة، صحيح لم نكن نحن متأخرين ،لكنه كان فوق العادي تماما، وكان أستاذ فؤاد كلما شرح مسألة أو معادلة جبر أو نظرية هندسية،إلا ونهض حمادة قائلا في حل أخر( ياأستاز!!).
أما أستاذ فؤاد نفسه فكان رجلا في الثلاثينات من عمره سليط اللسان ، رغم تمكنه من مادته (الرياضيات)، وكان سلاطة لسانه ذات طابع ساخر تهكمي لاذع. كل شئ في بداية السنة كان عاديا، إلى أن دخل أستاذ فؤاد ذات يوم إلى الفصل فوجد إحميدا يمزح مع حمادة، ومن سوء حظ الأول أن لحظة دخول الأستاذ كان إحميدا هو المتغلب. فظن الأستاذ أن حمادة يتعرض لإرهاب إحميدا ( شكل إحميدا يسمح بهكذا تأويلات حقيقة!!). فتولى بدوره تعديل الكفة وتقلد دور المؤدب او المنتقم - كما يقول إحميدا - وبدا أن الحصة لاتبدأ بغير السخرية من إحميدا وشعره وحقيبته وخطه، وجلسته ، ونظراته، ومشيته ... وكل شئ فيه رغم أنها كانت طبيعية بالنسبة لنا قبل الاستاذ فؤاد.
فهم إحميدا الأمر كما أخبرتكم بأنه تحالف وطني مصري ضد الليبيين... تجاهل أحميدا أن شقيقة أستاذ فؤاد متزوجة من ليبي ( إزويي )، لكن إحميدا مغربي وهو لايريد تهميش قضيته بتناول قبلي محلي. مما يعني تخلي المصراتية والفرجان والفواخر و القبايل وغيرهم عنه .... يوما بعد يوم ومع تذمر إحميدا وتعاطفنا معه بدأنا نقتنع بصحة مذهب إحميدا رغم عدم وجود أدلة إضافية ... وصرنا نصف حمادة والأستاذ بالفراعنة ومتاعين الفول ... الخ... هذا الأمر بث الهدوء قليلا لدى إحميدا لكنه لم يكن كافيا فيما يبدو... رغم أننا بدأنا نشعر بأن هويتنا الوطنية في خطر فعلا ... شيئا فشيئا بدأنا نشعر أننا لانستحق الهوية الليبية ونحن نصمت على هذا العار ولكن مالعمل؟؟ هذا هو السؤال الذي ظلت أجابته عالقة في دائرة الصعب.
وفي ذات يوم أثنين وفي الحصة الأولى وبعد أن شرح الأستاذ نظرية فيثاغورس ... وأدلى حمادة بدلوه ساكبا الحل الثاني على السبورة بالطباشير... سمعنا صوتا من منتصف الفصل يقول بثقة : فيه حل ثالث ياأستاذ...
كان صاحب الصوت إحميدا ... ساعتها كدنا أن نقف ونصفق طويلا ... لقد شاهدنا أعلام ليبيا ترتفع ... وخيل إلينا أن 1900 كم من الساحل الليبي ملئت زهورا وورودا .. وأن الصحراء الليبية صارت نوافيرا ومياه دافقة.... ولعل بعضنا شاهد عمر المختار يدخل إلى الفصل ولايفكر إطلاقا في الأستئذان من أستاذ فؤاد ويجلس بجانب إحميدا ويمسح على رأس حفيده الحقيقي .. ( ونحن رفاقه طبعا)، شاهدت أنا شخصيا سعدون ورمضان السويحلي وشاهد البعض الفضيل بوعمر، حتى غومة المحمودي جاء ووقف في باب الفصل ولوح بيده لأحميدا مشجعا ولم ينسى أن ( يفنص ) في أستاذ فؤاد بشزر ... تاكدنا جميعا أن ليبيا ولادة ... وتذكرنا أطول سلسلة أغاني وطنية وهي تلك التي تبثها إذاعتنا المرئية كل يوم ... تذكرناها حرفا حرفا ونغمة نغمة ... كان هذا هو اليوم الحقيقي لبداية التاريخ الليبي إنه يوم الاستقلال ... كل ذلك والأستاذ فؤد لم يفهم ماذا قال إحميدا ( وأنى لمثله أن يفهم حادثة بهذا الحجم)... وصاح :
أيه عاوز أيه ... فيه أيه .. ماتنطئ يالا !!!!!. لكن أحميدا تماسك .. وقال:.... قتلك فيه حل ثالث...
فوافق المدرس وأخد الطباشير ... منتظرا الحل الثالث .. وبدأ أحميدا بقوله(( ناخذوا سين ونحطوها مكان صاد ...)) ورغم أن هذا لايمكن في أي مادة في العالم إلا أن أحميدا أراد أن يقوم بأنقلاب عسكري برموز مادة الجبر (سين وصاد) و المشكلة الحقيقية أن أحميدا كان يتحدث بلغة مادة الجبر ونحن في حصة الهندسة ... لقد أخطأ أحميدا في قراءة جدول الحصص البارحة ... وبحثنا فلم نجد عمر المختار ولاغومة ولا الأغاني ولاحتى الساحل الليبي الذي ربما تقلص إلى 19 متر في ذلك الوقت.. في نهاية الحصة الأولى من يوم الأثنين...في سنة ثالثة أعدادي (واو).
ومثلما نقم الفرنسيون على نابليون المهزوم بعد أن عظموه .. وينقم العرب اليوم على صدام بعد أن بجّلوه... نقمنا نحن على أحميدا حفيد المختار المزيف ... وصرنا نشاهد ملمح الشماتة في وجه الفرعون المصري الصغير الجالس في الصف الأول لمقاعدنا الدراسية ..... (حمادة).
في طريق عودتنا إلى البيوت لم نتكلم البتة... كنا واجمين محبطين .... حانقين على أحميدا مشروع البطل الوطني الفاشل... وكان أكثرنا في هذا أحميدا نفسه... وكنت رغم كل شئ أشفق عليه من جهة وأعرف أنه من النوع (اللي ماتباتش فيه ) من جهة أخرى ... وفعلا عندما وصلت إلى بيتنا وكنت أسكن أقرب منه للمدرسة، نظر إلى وقال : فيه حل أخر ... سقطت مني الشنطة !!! لكن ضحك وضربني على رأسي بيده ... وقال: ثق فيما أقول ... هناك حل أخر،.... وأنطلق يركض ويلوح لي بيده ... وسط ذهولي مما حدث له فجأة.
في اليوم التالي كان واضحا أن الحصة ستنقسم إلى ثلاث أجزاء شرح أستاذ والحل الثاني من حمادة وهزيبة أحميدة .... وهذا ماكان فعلا ... وصرت أترقب الحل الأخر ... وأنتهت الحصة وحمل أحميدا كوم الهزيبة ولم يفعل شئ...
وبعد ايام وفيما نحن نكتب ماعلى السبورة التي صارت قسمين ( يمين ويسار = الأستاذ + حمادة)، توجه الأستاذ لإنجاز القسم الثالث عند أذن أحميدا... وما إن بدأ في الهزيبة قائلا : أنا مش عارف أنت ليه مش زميلك حمادة ... دا فيه فرئ السما والأرض ياسبحان الله ...
لكن أحميدا ضحك ... وهز رأسه .. وقال : الله أعلم ياأستاذ ....!!! فقطب الأستاذ جبينه وقال : أيه الله أعلم بتئصد أيه يالا .... ، صمت أحميدا ثم قال : أنا خايفك تزعل ياأستاذ !!!. صاح أستاذ والفضول يدفعه والإحراج أمامنا يطحنه : أيه فيه أيه ماتتكلم... لكن أحميدا ظل ينظر للنافذة مبتسما ... وأستشاط الاستاذ غضبا ... فيما لم ينطق أحميدا بحرف.
وحدث مايريده أحميدا- كما عرفت لاحقا- طلب الأستاذ من حمادة أن يحضر العصا من غرفة المدرسين، مهمة الشاطر إحضار العصا دائما، وهكذا ظل أحد الأعداء بمفرده، فقال أحميدا ليش العصا ياأستاذ؟؟ - علشان تتكلم ... قال الأستاذ.
- والله ياأستاذ نحنا كلنا نحبوك ... ومقتنعين بيك.. لكن في كلام نسمعوا فيه مش عارف كيف.... خايفك تزعل!!
- لا إتكلم مش حزعل.
- فيه ناس.. طلبة يعني... أيقولوا أنك تتعلم من حمادة.. وأنك تشاور فيه على الشرح ... وأنه يفهم خير منك .، وعلى الفور وبدون سابق إتفاق صحنا جميعا مزبوط ياأستاذ ... أيقولوا حمادة أيقريّ فيك.
- أخرس يالا أنت هو ,اكتب اللي عالسبورة ... أل بيعلمني أل!!!.
وعندما عاد حمادة بالعصا، لم يجد أي داعي لها، فقد جلس أحميدا والفصل هادئ، والطلاب يكتبون ماعلى السبورة، وعندما أنتهينا، كتب الأستاذ مسألة أخرى وشرحها بتفصيل ممل وحاول إظهار عبقريته قدر مايستطيع، حتى خطه صار أجمل من ذي قبل. وبعد أن أنتهى ... قال حمادة كالعادة : ممكن أئول حل تاني ياأستاز..؟؟
فصاح أستاذ فؤاد: لا تاني ولاتالت ... أكتب اللي عالسبورة زيك زي زمايلك يالا... واخرس خالص ماتنطئش.
ومن ذلك اليوم لم يعد هناك في السبورة جهة يسار أو قسم أيسر... ولم يعد هناك حتى يمين .. صار هناك سبورة واحدة ... ومسألة واحدة . يشرحها مدرس واحد ... بطريقة واحدة... ولم يعدهناك أي شك في نجاح الحل الأخر.وسقوط الحل الثاني ..ونسينا الحل الثالث وصارت أيام الأثنين تمر متتالية.مثلها مثل باقي الايام .
ولم نعد ننتظر إلا نهاية السنة الدراسية في سنة ثالثة أعدادي (واو) في مدرسة الأستقلال بأجدابيا.
بلوحة مفاتيح : طارق القزيري |
© 2004 Libya Alomstakbal. All rights reserved.
![]()