باتت زيارات الفذافي الخارجية
مكلفة جدا للخزانة الليبية. فخلال زيارات القذافي إلى دول أوروبية تهدر
مليارات الدولارات للتعاقد على مشاريع ومشتريات –ربما لا تحتاجها البلاد-
بأضعاف قيمتها الحقيقية، وخلال زياراته للدول الإفريقية تهدر مليارات
الدولارات هبات وأعطيات وإنشاءات تقام على أراضي هذه الدول، هذا بالإضافة
إلى عشرات الملايين من الدولارات التي يتم تبديدها في كل زيارة نفقات أسطول
الطائرات التي تحمل الحراس والحارسات والمرافقين، والتي تنقل الخيمة
والسيارة والنياق. كلها متطلبات الزعامة الإفريقية التي يتوهمها معمر
القذافي، وثمن الشرعية التي يتسولها من أوروبا وأمريكا.
كذلك كان الحال خلال زيارة
القذافي إلى جمهورية بنين وخلال قمة تجمع الساحل والصحراء. بنين تلقت هبات
ومساعدات تمثلت في مدينة سكنية وفندق تم بناؤهما من أموال الشعب الليبي.
وخلال القمة أعلن عن تخصيص مبلغ ثلاث مليارات دولار من أموال الشعب الليبي
إلى مصرف "س. ص للتنمية والتجارة"، وهو المصرف الذي تم تأسيسه أصلا برأسمال
قدره 250 مليون يورو دفعتها ليبيا ووزعت الحصص في المصرف على الدول الأعضاء
دون أن يطلب منها المشاركة بدفع أنصبتها من رأس المال. علاوة على ذلك فقد
أعلن القذافي عن الشروع في توزيع جرارات زراعية على دول إفريقية، وهو مشروع
بدون أية ميزانية محددة، أي أن الميزانية مفتوحة لا تنتهي إلا بانتهاء
أهواء معمر القذافي وشراهة الدول الإفريقية.
لقاء هذه المليارات من أموال
الشعب الليبي فإن الأفارقة يقدمون للقذافي ما يرغبه من بهرجة الزعامة
الكاذبة: يجمعون له الآلاف من المواطنين الأفارقة في الساحات والملاعب
ليكونوا شهودا على مهرجانات وخطب لا يسمعونها ولا يفهمونها، ولقاء هذه
الأموال يسمحون للقذافي يأن يمثل دور الإمام تارة والداعية الإسلامي تارة
أخرى، ويجهزون له "كومبارسات" ليقوموا بدور الذين اهتدوا للإسلام على يد
القذافي، حيث يسمح القذافي للدكتور محمد الشريف بمشاركته دور البطولة
وتلقين هؤلاء الشهادتين، في تكرار سمج وممل لمشهد إسلام سيء الذكر "بوكاسا"
الذي ضحك على القذافي وسلب ملايين الدولارات من الخزانة الليبية ثم بعد ان
اكتفى أعلن ارتداده وتنصيب نفسه امبراطورا.
"تجمع دول الساحل والصحراء"، غدا
هو الآخر بالوعة كبيرة تضيع في متاهاتها مليارات كثيرة من أموال الشعب
الليبي، وهو تجمع هش ليس لأعضائه أية قواسم مشتركة. اسم "الساحل والصحراء"
ينطبق على الدول المؤسسة الستة فقط، لكنه لا ينطبق على جميع الدول الثلاثة
والعشرين التي أصبحت تشكل التجمع الآن، ولا على الثلاثة التي انضمت مؤخرا.
لكن القاسم المشترك الذي بات يجمع هذه الدول هو المليارات التي بات القذافي
ينفقها على هذا التجمع. فطالما أن العضوية مجانية إذ أن المصاريف الإدارية
للتجمع تدفع من الخزانة الليبية، وطالما أن ما دفعته ليبيا حتى الآن لم
يتوقف عند المليارات الخمس التي شكلت ميزانية "صندوق التنمية للتجمع" ولا
عند حد تغطية رأسمال مصرف س ص، ولا عند المليارات الثلاث التي ستتسرب من
أموال الليبيين إلى دول الساحل والصحراء، ولا عند الجرارات الزراعية وغيرها
من المواد الأخرى، طالما أن عضوية التجمع تتيح الاستفادة من هذه الأموال
فلم لا تنضم كل الدول الإفريقية، ولم لا يزداد تقاطر الأعضاء الجدد، ما
يستتبع مزيدا من الأموال التي لن تكون إلا من أموال شعبنا.
لم يعد مناسبا أن نسأل من الذي
يحق له أن يقرر صرف هذه الأموال، ذلك لأن أكذوبة "سلطة الشعب" لم تنطل في
يوم من الأيام على أحد، حتى القذافي نفسه لم يعد يستخدمها للضحك على الذقون،
فهو يتصرف في المال العام بكل صفاقة وبما تسول له أهواؤه وقراراته
الارتجالية. كما أن القذافي منذ ابتداع "المجنب" لم يعد في حاجة إلى تبرير
ممارساته في المال العام، فوفقا لهذه البدعة أصبح المال العام حراما على
الشعب الليبي، لا يستحق منه إلا فتات الفتات الذي يبقيه المجنب ثم ما يبقيه
أولاد القائد في نزواتهم التي شهدت عليها قارات العالم.
إن شعبنا في أمس الحاجة لأن تنفق
عليه هذه الأموال التي يهدرها القذافي على شعوب أخرى. الشعب الليبي في أمس
الحاجة أن تنفق المليارات الخمس والمليارات الثلاث وغيرها من الأموال
لإنقاذ الشعب الليبي من حالة البؤس التي يعيشها.
الليبيون أولى بهذه المدن
السكنية التي تبنى بأموالهم في أراضي الغير بينما تواجه البلاد أزمات سكنية
خانقة. طرابلس ومصراته وبنغازي ودرنة وطبرق وسبها والزاوية أولى
بالفنادق التي تبنيها أموالنا في أراضي الغير. الليبيون أولى بالمستشفيات
المتنقلة والأدوية التي تشحن إلى إفريقيا ويذهب معظمها إلى جيوب السماسرة
في هذه الدول. المزارعون في ليبيا أولى بهذه الجرارات وبتوابعها وبالخبراء
الزراعيين.
أولى أن تستخدم هذه الأموال لدفع
مرتبات الموظفين في وقتها، وفي تحسين حال الليبيين، بعد ان سد القذافي
أمامهم كل سبل الكسب المشروعة وحولهم إلى موظفين ينتظرون الراتب الذي مر
على آخر تعديل له ما يزيد على عقدين من الزمن، وياليته يصرف في وقته.
الليبيون أولى بكل ذلك لأن هذا
المال هو مالهم وهم أولى به لأنهم في أمس الحاجة للمستشفى .. وللمدرسة ..
وللمسكن .. وللمياه الصالحة للشرب .. وللشارع النظيف الخالي من القمامة.
لكن كل ذلك لن يتحقق في ظل
استمرار حكم القذافي جاثما على صدورنا، يتصرف في أموالنا وقدراتنا ويبعثرها
بكل استهتار ثم لا يجد من يتصدى لهذه الممارسات العابثة، بل يجد جوقة من
الطبالين والمنافقين الذين يسوغون هذه الجرائم وغيرها. إن هذه الممارسات
الإجرامية ذات أبعاد مزدوجة فهي تبذير مال الليبيين وإهداره، وفي نفس الوقت
الإصرار على حرمانهم منه.إنها جريمة دافعها حقد دفين على الشعب الليبي، وهي
تستوجب على كل ليبي أن يقف ليدافع عن حقه في هذا المال، وحقه في تقرير
كيفية التصرف فيه، كما أنها تستوجب على أولئك الذين ما يزالون في ركاب
النظام ويدورون في فلكه أن يقفوا وقفة جادة مع أنفسهم ويمتنعوا أن يكونوا
عونا على شعبهم، وعلى مقدرات ليبيا ورزق اجيالها اللاحقة.
إبراهيم
عبد العزيز صهد
التعليقــــــــــــــــــــات
عبد
الله: ما نقول الا حسبنا الله ونعم الوكيل اكثر من الدعاء يا
شعبنا الطيب ما يرد البلاء الا الدعاء.
|