من المفارقات بل
والغرائب أيضاً بالقرن العشرين الماضي, أنه في الوقت الذي كان رئيس الوزراء
البريطاني (ونستون تشرشل) يوقع على أوراق البدء بإنتاج القنبلة
الهيدروجينية, قد كان هناك ترتيب له بالفوز بجائزة نوبل للآداب, وليكون
العجب ذات مفارقة أكبر لو أن هذا الـ (Sir) أستلم جائزة نوبل للسلام على
غرار (مناحيم بيغن) الصهيوني, فإلى كون (تشرشل) جنديا وكاتبا ورساما
وسياسيا، اشتهر هذا الزعيم البريطاني بروح النكتة وبإطلاق حركات وشعارات
معينة، زال بعضها لأن الزمن قد تجاوزها وتجوزه، مثلاً إطلاق اسم "الستار
الحديدي" على الحالة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام أوروبا
إلى شرقية وغربية, فيما لا يزال البعض من تلك الإيماءات والإشارات مستعملا
حتى اليوم كرفع اليد مع فتح السبابة والإصبع الأوسط فيما يعرف بإشارة النص.
ونستون
تشرشل رئيس الوزراء البريطاني يتفرغ إلى الكتابة والرسم، فكتب مؤلفه الضخم)
الحرب العالمية الثانيةSecond war (من ستة أجزاء عامي 48- 53. وبستة نقاط
كما الستة أجزاء بكتاب تشرشل ذاك, قد أستهل الصحفي والمثقف الليبي (عز
الدين اللواج) مقاله (مرحباً بالمشانق), وبالحقيقة الذي دعاني لتتبع سطور
هذا المقال لوجوده بأكثر من موقع ليبي الكتروني, وللتعرف عن قرب لهذا
الصحفي الليبي, ولتكتشف حالة من التفوق السريالي أو الرمزي المبهم حينما
تتابع سطور المقال (مرحباً بالمشانق) للكاتب اللواج, وإذ ترسم وتؤطر النقاط
الستة أبعاد هذا المقال, ولتقرأ الكلمات وهي بحالة من الشكوى الملحة
المضمون, والتي أراد الصحفي والمثقف عزالدين اللواج أن يظهرها بلمعان, ولعل
الظاهرة البازغة بالمقال والتي يحكي عنها الكاتب اللواج وهي (المتثاقفون),
هي بالحقيقية مصطلح حديث لدينا برغم قدمه الزمني منذ الأزل, فكم هم منتسبي
بل الدخلاء لحرفة وصنعة (نحت الأصنام أو المثالون) بزمن الأغريق ذاك, ولا
يمتهرون تلك الحرفة بل أن أزميل وشاكوش النحت قد شهد عليهم وكذبهم, وبالرغم
من وجود محترفي النحت الجصي بتلك الأزمنة الغابرة للأغريق, وأيضاً هذا
المصطلح لدى اللواج يشبه لحد بعيد لمصطلح آخر يكاد يوازيه ثقلاً ووزناً وهو
(أنصاف المتعلمين), والقضية الكبرى هنا للشكوى عند السيد اللواج تنبه ربما
الجميع دون استثناءات أن هؤلاء الأنصاف المتعلمين أن بيدهم القبضة الوثقى
أو القوية بمسرح الحياة وقنواتها عندنا, أي بمعنى آخر أراد الكاتب أن يقول
أن هؤلاء يكبلون خطواتنا للأمام, فهل هذه الخطوات المقصودة والتي هي للأمام
مرسومة بشكل جدي نظري أكاديمي حقوقي أنساني أم هي هوائية الطابع العاطفي
الغير مدرك لكل التفاصيل, أم هي خطوط أخرى فقط بالعقل الباطن أرادت أن تصبح
حلماً بعقولنا ليس إلا ؟
فهذه الشكوى
الظاهرة عند المقالة للأستاذ اللواج محرر صحيفة (قورينا) الليبية الحديثة
العهد , والتي بعثت بها الحياة بشكل أقليمي واضح أو معد ومكمل لتراجيديا
الإقليمية السابقة العهد واللون, كانت تلك الشكوى بالطبع علنية بتفوق,
ليقول الكاتب مثلاً: (تنوع نمط الحرب التي يشنها المتثاقف ما بين نمط الحرب
الساخنة التي تعتمد على الآليات الآنفة وغيرها، وما بين نمط الحرب الباردة
التي تعتمد على تقنيات استفزاز الآخر المختلف معه، كما أن استراتيجية
المواجهة في تلك الحرب تبدأ باستجلاء خصائص ثقافة المعاكسة، وتمر باستدراج
الآخر إلى مستنقع العنف الثقافي وتنتهي باستخدام العنف المادي ضد ذلك
الآخر), إذا هذا التعبير هو شكوى واضحة المعالم , فمن حرب قائمة يشنها
المتثاقف !! على المثقف الحقيقي أو يشنها النصف متعلم الذي بيده سلطة
القرار على المتعلم , الى الإستفزاز والمعاكسة, أو هذا ما أراد قوله الصحفي
اللواج, ولكنني أود وبشكل ودي أن أذكر الأستاذ اللواج هنا ربما بقائمة اخرى
كان يجب أن يذكرها دونما الهروب منها بوضح النهار وخاصة وهو يدير صحيفة
حديثة العهد بزمن ليبيا الغد, وبزمن الشفافية:
أولاً: كان يجب
على الكاتب أن يخصص الحالة ووضعها بالإطار الخاص لا بشكلها الشامل, ومن هنا
قد كانت بدايته بالمقال ليقول: (في الآونة الأخيرة ترك العديد من المفكرين
والنقاد العرب الجدل الدائر حول مصطلح المثقف ودلالاته الإجرائية المختلفة،
وباتوا يتحدثون من خلال كتاباتهم ودراساتهم الفكرية عن ظاهرة المتثاقفين)
أي أن الكاتب قصد عنوةً ً أصطفاف الكاتب والمثقف الليبي مع البقية من
المثقفين العرب, أي أن هذا التشبيه يفشل وينحصر ويجهض نفسه بنفسه, لتأكيد
الفوارق الواضحة والشاسعة مثلاً بين المثقف المصري وطريقته للمعالجة وبين
المثقف الليبي بداخل ليبيا, وهنا لا أشير أبداً للنسب الفكرية الإبداعية
وتفوقها جدلاً, بل أقصد الجو العام للمثقف المصري وبكافة أنتمائته الفكرية,
ومدى جراءته ووقوفه الصلب والقوي بوجه من يسميهم اللواج المتثاقفون, بحيث
أبداً لن تجد نصف متعلم أو متثاقف واحد بالساحة المصرية بوجه العموم, أو قد
يتلاشى بالتمام هذا المتثاقف بالساحة المصرية العربية, أي قد أكتسح وبجدارة
المثقف والمتعلم المصري الحقيقي الجريئ كل المساحة أمام أشباه المتعلمين,
ولهذا نرى أن المثقف المصري الصحيح المعافى فكرياً يعالج ويهتم بمشاكل اخرى
أكثر تعقيداً مما التي لدينا بوجه خاص, فإذا المساواة هنا تصبح خليط وعجين
غير صحيح مبدائياً - إذا كيف تطرق محرر لصحيقة الدستور المصرية الصادرة
بمصر العربية السيد (أبراهيم عيسى) لوثيقة صحية مفادها أن الرئيس المصري
يجب أن يتنحى عن الحكم لتجاوز عمره الحد القانوني لإدارة البلاد ؟ هذا من
ناحية ومن ناحية أخرى هل تركت المساحة على مصراعيها لكل اتجاهات (المتثاقفون)
؟ إذ كان يجب التفريق بين متثاقف ومتثاقف آخر, وربما كان هناك فراغ خطير
كان يجب أن يتموقع به المثقف الحقيقي لا المتثاقف الجريئ الذي قد رفض
أبعاداً خطيرة تلف كل البلاد - وإذا كان يجب أن يكون هناك فصل منطقي بين
هذا وذاك, ولكي لا ندخل عبثاً بدائرة المظالم.
ثانياً: لقوله "آلية
إقصاء المبدع" فما المقصود هنا بالمبدع ؟ هذه العبارة بالذات لا تصلح أبداً
لتؤلف لرؤية مستقبلية ما, أي بمعنى آخر هناك خطوات كثيرة يجب الحديث عنها
قبل ذكر الإبداع وأصحابه, فهل تحطم الجدار فجأة لنتولى الكلمات والتعبيرات
الدراموكلاسيك المكان, ونحن نعاني بالحقيقة من صولجان قاهر يعبث بكل
الدائرة الحالمة الساكنة فوق رؤوسنا, فالجائع المنهك القوى الحالم بالخبز
أبداً لن يوفق إذ أختار كتاب وثقافة لمبدع.
ثالثاً: يتناول
الكاتب كلمات عديدة لتعني الشكوى الشخصية, وان هناك حسد ما من المتثاقفين
لمثله من المثقفين, وهذه الحالة تأتي تقريباً بكل فصول المقال المذكور, وبل
أنك تشعر بثورة نمطية شخصية تأتي بها حروف الكاتب اللواج, وهذا التعريف
الشخصي للحالة معيب لمثقف يجب أن تكون إدارته للأمر والشأن العام ذي إتزان
مترفع ويمثل الكل لا (الأنا) المرفوضة بالطبع بمثل هذه المنادات أو الخطاب
العام.
رابعاً: يقول: (عقدة
الإسقاط هي سمة مميزة لنص أو ملفوظ المتثاقف), أي أراد لأن يقول انها
العادة أو الطريقة التي يتقاوى بها المتثاقف على الآخرين والآخرين هنا
بالطبع هم المثقفون, ولنسأل هنا قبل الولوج بالتفاصيل وتحليلها, اليست هذه
ظاهرة نختص بها نحن أبناء ليبيا دونما الآخرين , بقصد حذف الرمز السريالي
اللاشفاف المرفوض بتاتاً لمعالجة شأن هام يخص بلاد ووطن وأمة, أي أن
الطريقة الرمزية تصبح حالة جنائية خطيرة عند وقفوها بباب من أبواب للوطن,
أو هذا ربما ما أستعان به السيد (اللواج) وليحاكي الجمل وأموراً كبيرة تفوق
نواحي الثقافة أو التثاقف, فمنذ وفاة الرسام السريالي الإسباني (سلفادور-
دالي) أصبحت المعاني السريالية تسقط شيئاً فشيئاً عن المعادلات الحياتية
بالعالم أجمع, أو على الأقل بمفهومنا نحن للعالم والمحيط الخارجي, فهذا
الرسام قد نبه أنه لا سريالية من بعدي ولا رمزية, وهو الذي أوصى قبيل وفاته
بدفنه بلباس أمبراطور بحديقة قصره الأسباني, وأن توضع بقبره ومعه موسيقى
محببه له ولتدفن معه أيضا أجهزة عطرية وكؤوس مذهبة ونبيذ أحمر معتق, وعلى
طريقة ملوك الفراعنة تقريباً, وبإختلاف أن ملوك الفراعنة أولئك كانوا قمماً
للطغوان, وهل كان ملوك الفراعنة يدفنون معهم كؤوس مذهبة ومن املاكهم الخاصة
؟ وأقصد هنا المعنى الحرفي للكلمة ؟ وبرغم أن (دالي) أمر بدفن حاجياته هو
فقط لا حاجيات العامة معه بقبره - إذا من هذا الطرح لا يجب معادلة الأشياء
الشخصية مع تلك العامة ولو رمزاً وهي تكاد أن تكون بحالة إسقاط لفظي - إذا
سر هتلر بلوحة الرسام (دالي) لم تسقط الوانها عبثاً على سر هتلر الغامض كما
تحكي اللوحة الدالية, بل كان يحاكي السر العام والشامل من الحياة البشرية.
خامساً: (لا
يتوقف المتثاقف عند حد تفخيخ المنافذ التي تمكن الآخر المتميز من الانطلاق
والحضور الفاعل في المشهد الثقافي) ومن العادة قول التفخيخ هذا ينبه للوهلة
الاولــى بوجود قنبلة ما, قد أكتشفت بالصدفة, وربما قد أستعان الكاتب بهذا
التعبير لينبه لأمر ما يحدث الأن فقط, ولم تكون حالة التفخيخ هذه هي
أستمرارية متراسلة مزمنة لدينا, وبل هي حالة حياتية مستمرة بالبلاد, أو أنه
قد أستعان الكاتب بهذا التعبير المحترف صحافياً لأجل ملئ المشهد العام
بالشكوى والتململ من أشخاص ما يقفون فقط أمامه وأمام تطور الحالة الإعلامية
الحرة بالبلاد, ولم يقف هؤلاء (الم ت ث ا ق ف ون) بكل شبر ونقطة وزاوية
بالمشهد العام من الوطن. وهنا تضيع بالحقيقية وبكل أسف شديد معاني الشفافية
والمعالجة الحقيقية للأمر, ولمحاولة جريئة حرة لردم الهاوية والحفرة
الفاجعة بالبلاد, وبدايتاً من الكلمة الحرة التي ملجأها ومنبتها الهواء
الطلق, الى قول الحقيقة كاملة لا منقوصة, أو أن هذا التخصيص هنا سيضع الأمر
برمته بحالة قزمية لا تصل بالفعل للحالة المثلى الواقعية الصادقة التي
تتحرى أماكن الداء وتشير للدواء.
سادساً: ليقول (ابتليت
بهم مشهدياتنا الثقافية العربية - الذي تمر به المنطقة العربية الرازحة تحت
نير أنظمة تقليدية مستبدة خلقت مناخاً مناسباً لتلك الشريحة المتثاقفة،
والتي يعد استغلالها السيء للبراح الرقمي الإلكتروني) ومن هنا فالكاتب
اللواج يعود بنا بنهاية مقاله الى التطبع الغير مناسب مع غيرنا من العرب -
وليجمع الإستبداد كله بسلة واحدة, أو ليكافئ استبداد باستبداد آخر, فكلمة
استبداد ستبقى تعني الرحمة عن كلمة طغوان, فيمكن قياس أستبداد رب أسرة على
أسرته الصغيرة, ومن الغير الممكن قياسه هنا بالطغوان , ومن هنا لم يتسنى
للكاتب الذكر والقول الصريح للعبارة المقصودة, ولأنه ربما بحالة شكوى قاهرة
لا تبيح له النظر فوق السطر الأول للثاني, وقد تطرق أيضاً بصلة غير ناضجة
أو مقصودة للبراح الإلكتروني, وكأنه ينبه المثقفين بوجوب عمل ضدي نحو
المتثاقفين ولتحجيم هذا الفضاء الواسع ووضعه بقنينة يجب أن تبقى طاهرة
بالصمت ووزنها المضغوط كتلتاً وحجما لا تمسه ابداً النجاسة بالمطلق.
لن أعانق هنا
صمت أو حالة تفائل ظنناها هدية ومفاجئة لنا, قد لونها جناح اللواج - ولن
أنزوي بعين واحدة لتنظر بخلسة من العباءة الصوفية للأمر, والذي ربما قد
حلمنا به وبقلوب شغوفة للتغيير, وبل كنا نأمل أن تستمروا بكسب مربع آخر من
الرقعة لا أن تكونوا قد أفقدتمونا نحن هذا المربع , فلا مكاسب للجسد من
الجسد الواحد.
وأخيراً ليبارك
الله بالوطن.
للتعليق على
المقال
|