14/05/2008
 

الى القلوب النابضة بحب الوطن ... الى ادريس بوفايد وجمال الحاجي ورفاقهم *
 
بقلم: محمد بن احميدة

 
سطوتها كانت تكتم الأنفاس. كانت حاضرة في المدارس والجامعات، والإدارات والمستشفيات، والمقاهي ودورات المياه، وفي المزارع والشوارع، والبيوت والمتاجر. حتى فراش الزوجية لم يسلم منها. بدعوى حماية المواطن جعلت منه جاسوسا وفي نفس الوقت ضحية. الأب يتجسس على ابنه، والزوجة على زوجها، والجار يكتب التقارير عن جيرانه، والطبيب عن مرضاه والطالب عن زملائه، والأستاذ الجامعي عن طلبته وعضو الحزب عن رفيقه. تعلم الناس النفاق، فصاروا خطوطا متوازية من الكذب لا مكان لخط اعتراضي. (1)
 
اربعون في المائة من سكان الدولة تحولوا الى "موظفين غير رسميين بأمن الدولة" هكذا كانت تصف الحكومة رسميا من يطلق الليبيون على شاكلتهم في ليبيا لقب "البصاصة".
 
الدولة تكذب والمواطن يكذب. الإعلام مارس التضليل المُبرمج، لا حزب الا الحزب: اجتمع الحزب، صرح سكرتير الحزب، استقبل رئيس الحزب، خطط الحزب، نجح الحزب، حصد الحزب، إنتصر الحزب، صرح الحزب، شهق الحزب، زفر الحزب. كل شيء يسير وفق خطط الحزب، لا صوت يعلوا فوق صوت الحزب الأوحد، الحزب أبدا!.
 
إدّعوا بأنهم يملكون كل الحقيقة وفردوس السموات والأرض. من يتردد في دخول جنة الحزب، تُفتح له ابواب الجحيم، فالحزب المسكين لا يستطيع جرجرة الناس بالسلاسل الى الجنة، ومن حاول الهروب كانت رشاشات الإطلاق الذاتي المزروعة على الجدار تحصده برصاصها. ثمان مائة قتيل كانت حصيلة القمع السياسي الذي امتد لفترة اربعين عاما ـ لا شيء بالمقارنة بدولة اخرى حيث قُتل بأحد سجونها السياسية بعاصمتها وخلال ساعات قليلة ألف ومئتان سجينا ـ. هكذا كانت جمهورية ألمانيا الديمقراطية، والتي كانت تُطلق على نفسها دولة "العُمال والفلاحين"، وهكذا كان جهازها الأمني "شتازي" وهو الإسم المختصر لوزارة أمن الدولة.
 
قد تختلف ايديولوجيات انظمة الإستبداد ولكن معاجمها تتفق في قلب تفسير المصطلحات: الفشل هنا يعني تجربة مُثمرة.، السجون السياسية مصطلح لا وجود له. الناطقين بالحق مجانين.، النقد تردد، الخنوع وفاء، الكذب ذكاء، الجحيم جنة، الشقاء سعادة، السكوت رضى، الشكوى عصيان، الصبر سكرة الإنتصار، الإستبداد السياسي فردوس أرضي، الهلوسة فلسفة، ماء البحر وكاتم الصوت قمة المنطق، حقوق الانسان حصان طروادة، حرية التعبير عمالة وتداول السلطة ديكتاتورية. هكذا تنقلب المفاهيم عندما ينتزع قُطاع الطرق السُلطة. فلا عجب ان تنهار الأوطان ويُذل الرجال وتُرمّل النساء ويتشرد الاطفال ويعم الفقر البلاد.
 
"نحن الشعب" صرخة دخلت التاريخ الألماني رددها المتظاهرون في مظاهراتهم السلمية في دولة الظُلم يوم كل اثنين من كل اسبوع لتُزلزل اركان الحزب ومعاجمه، وليكتشف الشعب مدهوشا بأن الحزب وجهازه القمعي شتازي كانوا مجرد نمور من ورق، وبيادق دون سند. لم يُعير الشعب الذي استخف به الحزب وأذله لمدة اربعون عاما أي اهتمام لمرتدي قناع الاصلاح من سماسرة ودراويش والذي زج بهم الحزب في الوقت الضائع في محاولة يائسة لكسب الوقت بل مضى بوعي وعناد يسلك طريقه من أجل قبر الماضي وبناء المستقبل.
 
المستبدون في كل مكان هم في الحقيقة متطرفون عميان البصر والبصيرة، وهم وإن اختلفت أنظمتهم ونظرياتهم الا ان جميعهم غير قادرين على الإدراك واستيعاب الدروس القاسية التي عصفت بمصير من على شاكلتهم.
 
عندما انهارت دولة "العُمال والفلاحين" تخلى عنها الجميع. شباب الحزب وعجائزه. منظري النظام وأشباههم. كوادر الحزب ولاعقي احذيتهم. ضباع الاصلاح ودراويشهم، قضاة محاكم أمن الدولة وسجانيهم، لم يفكر أحدٌ منهم أن يقيم لها مأتما، بل سعى الجميع جاهدا لإستدارة ظهره لها، فسيرتها كانت مُخجلة ولم تعد تُشرف أحدا بالإنتماء إليها او اقتران اسمه بها.
 
"الأخطار لا تترصد الا للذين لا يستجيبون لتطورات الحياة" جُملة لجورباتشوف سكرتير الحزب الشيوعي السوفييتي السابق في آخر زيارة له الى جمهورية المانيا الديمقراطية يوم 6 اكتوبر 1989 بمناسبة ذكرى تأسيسها الأربعون. ترجمة المترجم الالماني لهذه الجملة كانت غير دقيقة حيث ترجمها بقوله "من يأتي متأخرا ستعاقبه الحياة" ، لتكون بذلك جملة العصر في التاريخ الألماني الحديث. استجاب الشعب الالماني في الشق الشرقي "لنداء المترجم" واعتبرها فرصة العمر للإنعتاق. بعدها ب 24 يوما جرف التيار الهادر دولة "العُمال والفلاحين" لتلقي بها وبجهازها الأمني شتازي والى الأبد في المتاحف.
 
محمد بن احميدة
mohamedbenhmeda@yahoo.de
14 يونيو2008
 

* حكمت محكمة أمن الدولة المنعقدة بسجن بوسليم السيء الصيت على الدكتور ادريس بوفايد وجمال الحاجي ورفاقهم بالسجن لمدد تتراوح ما بين 6 سنوات و25 سنة. المجموعة كانت قد دعت الى اعتصام سلمي بميدان الشهداء بطرابلس يوم 17 فبراير 2007 احياء لذكرى مذبحة 17 فبراير2006 بمدينة بنغازي والتي قُتل وجُرح فيها العشرات من المتظاهرين امام السفارة الايطالية حيث اطلقت عليهم النيران من قبل قوات جهاز امن النظام الحاكم.
 
(1) تعتبر كتابة التقارير في "ليبيا الجماهيرية" ايضا احدى الميزات المهمة " للمواطن الصالح"، وقد برع الكثير والكثير من المواطنين الليبيين وللأسف باختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية في ذلك مما جعل احد روؤساء جهاز مخابراتي (العميد المتوفي امحمد الغزالي مدير المباحث العامة في هيئة امن الجماهيرية) يتهكم عليهم بالقول بان حتى شهر رمضان المبارك لم يمنعهم من مواصلة تقديم خدماتهم بل كانوا يقدمون اليه شخصيا للتزلف البلاغات عن اقاربهم واصدقائهم ومعارفهم في داخل المسجد عقب صلاة التراويح مباشرة. هذه البلاغات كانت السبب في المآسي الكثيرة والمدمرة التي حلت بالمجتمع الليبي.

 
جولة مصورة من داخل متحف شتازي بالعاصمة الألمانية برلين

 

 
"شتازي" اسم كان يثير الرُعب. احدى مدارس الثوريين والاجهزة الامنية في ليبيا
 
 
لكل مواطن ملف. أرشيف ملفات شتازي
 
 
 
 
المادة 31 من دستور جمهورية المانيا الديمقراطية ( دولة العمال والفلاحين):
لا يجوز انتهاك سرية البريد والمكالمات الهاتفية
 
 
نصوص الدستور حبر على ورق. اكوام الرسائل التي وُجدت بمستودعات شتازي
 
 
 
 
 
لكل باب مفتاح. وكل المفاتيح بيد شتازي
 
 
تزوير الأختام والشهادات احدى مهام شتازي
 
 
 
التجسس على المواطن بدون حدود
 
 
 
 
عين امن الدولة في رعاية المواطن اينما كان
 
 
 
 
جهاز للإرسال على هيئة سماعة
 
 
 
 
غياب الضمير + حفنة دراهم = بصاص محترم
 
 
 
 
الأصفاد وكاتم الصوت منطق الاستبداد
 
 
في دولة الاستبداد الرأي الآخر لا مكان له الا في المعتقلات
 
 
احدى المعتقلات السرية لشتازي: طابق تحت الارض بإحدى العمارات السكنية وسط برلين
 
 
 
زنزانات شتازي: سرير من الخشب ووعاء لقضاء الحاجة
 
أحد المعتقلين السياسيين لم يطيق سنوات القهر بالمعتقل فقرر الانتحار.
محاولة زوجته بتهريب شفرة حلاقة اليه باءت بالفشل
 
 
أجهزة تصنت
 
 
الجدران لا تمنع من التصنت على الجيران
 
 
 
أعلى الصورة على اليمين قنبلة على هيئة بطاطا
 
 
 
 
التصنت على المكالمات الهاتفية
 
 
تحت شعار لكل مواطن هاتف تم تركيب لكل غرفة جهاز تصنت
 
 
احدى اسلحة الاطلاق الذاتي والتي تم تركيبها على جدار برلين
لتحصد ارواح المئات من الذين حاولوا الهرب من جحيم الاستبداد
 
بدلة ضابط بأمن الدولة وجدت مكانها والى الأبد بمتحف
شتازي اما البقية فقد بيعت بأسواق الآحد
 
ايريش هونكر سكرتير الحزب الشيوعي الالماني ذئب بجلد حمل
 
 
أين هم الاتباع؟ هونكر مات منفيا في تشيلي
 
 
الحب الجارف. هونكر وبريجنيف سكرتير الحزب الشيوعي السوفييتي وقبلة الآخوة الشيوعية
 
 
وقبلة اخرى من الرفيق جورباتشوف
 
 
في لحظة ما لن تفيد القبلات فمن يأتي متأخرا ستعاقبه الحياة
 
 
الحاكم الفعلي ايريش ميلكي وزير امن الدولة (شتازي)
 
 
ميلكي عند اقترابه من النهاية: انني احبكم. دعونا نتحاور لمصلحة
واصلاح الوطن. مراوغات تجاهلها الشعب فكسب معركته ضد الاستبداد
 
ميلكي بعد سقوطه. وحيدا، منبوذا، لا أحد يسأل عنه من رفاق الآمس
 
 
شهادة انهيار دولة الاستبداد وقبعة ميلكي العسكرية اصبحت اضحوكة الشعب
 
 
" فضاء اوروبا الشرقية" ثاني أقوى قوة عسكرية في العالم
ينهار بكامله نتيجة غياب الديمقراطية وتداول السلطة
 
 
نياشين الدولة في المتحف وايضا في اسواق الآحد الشعبية
 
 
الشعب الذي يحترم نفسه: لوحة رخامية سوداء عليها عبارات
لضحايا الاستبداد لتبقى وللأبد ذكرى للأجيال

 


مقالات سابقة للكاتب:

 

  ادريس وجمال وفتحي في هامبورغ

  غلطة؟

  حكاية عذابي

  كلمات الأسبوع والتي وللأسف لم تقال (1)

  كلمات الأسبوع والتي وللأسف لم تقال (3)

  كلمات الأسبوع والتي وللأسف لم تقال (2)

  لماذا تخشى السلطات الليبية جمال الحاجي؟

  للتنبؤ بالمستقبل يجب قراءة الماضي والحاضر

  مؤسسـة القذافي: أين هى من حقوق الإنسان؟؟

  لقاء مع راديو صوت الأمل حول تصريحات مؤسسة القذافي بخصوص سجين الراي د. ادريس بوفايد

 


 

التعليقــــــــــات

 

Libyan brother in exile: Mr Ben-Ahmedah... Praise be to God for proving to mankind that nothing lasts forever regardless how long? Do dictators like Gaddafi & Co learn from these live examples and feel sorry and try to amend damages and do good before their end? The sad thing I heard when I was living inside our beloved country Libya is that most of the ex Stazi staff are working with Gaddafi & Co now; teaching them their sick inhumane techniques of making prisoners confess. I pray to God to end our country's nightmare and make us witness another fall of dictatorship soon, ameen. Thank you for such a good choice of resources to your article. It was educational.


للتعليق على المقال
الإسم:
العنوان الإلكتروني:
التعليق

libyaalmostakbal@yahoo.com

 

جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع >>>> ليبيا المستقبل منبر حر لكل من يطمح ويسعى لغد أفضل لليبيا الحبيبة