زيوس إله الحرب وألانتصار الكهل
الوقور, حمل الحزن والسرور, بكى عندما حل به البلاء والجور, ففضل الموت عندما
ناله الردى وفقد اسمه الصدى. إلا معمرتوس العسكرسوس, إله الحرب والدمار
والمرتد, الخارج عن القانون والناموس, يذرع خيمته جيئا وذهاباً, يبحث عن سبيل
للخروج من أزمته (الكساد وكثرة الفلوس) لابساً فستانه المزركش الطويل, ممسكاً
بصولجانه حالماً ببركه دماء, فيأمر الجيوش بالتحرك وراء كوابيسه واوهامه, دون
الاصغاء الى مستشاريه وخدامه. استعمل الحيل والتمويه, حاول تضليل العدو, فضرب
الجار بالحجارة, وابناء شعبه بالحقارة, فالحرب عنده أداة التاديب للشعوب
المستعصية عندما لا تفهم الاشارة.
تنتهى الحرب ليجلس الشيطان يستمع
لعزف القيثارة ويتجرع حليب الناقة البسوس, وهو فى قمه إنتشائه, ليشاهد
الخسارة تأكل وطنه وتشوه وجهه الجميل وخدوش عميقة, لن تضمد ابداً, تصيبه
لتنخر عظامه. معمرتوس قائد الجيوش, بدل النصر بالهزيمة, والعمار بالدمار,
والخلود بالموت والفناء. اعاد سيفه الملوث بالدماء الى غمده وقرر النسيان,
وهكذا صارت الامور. ولكن, هناك من لم ينسى...
إمرأة من بلادى مطاردة بشبح الحرب,
واقعة فى شِرك حِبالها, رغماً عنها, مصحوبة بورقة الاقامة الدائمة على ألام
واوجاع الماضى. الورقة التى سقطت سهواً من عملية جرد مصائر ألالاف الذين
فقِدوا فى حرب تشاد, كأن الارض انشقت وابتلعتهم, ولتبقى هى حية !!
شابة صغيرة حباها الله, سبحانه
وتعالى, بهبه من هِباته, جمال نفس وروح, ثلاثة اشهر هى عُمر زواجها, ليؤخذ
الزوج عنوة, دون ان يُعلم اهله - هكذا عنوة - كما هى الامور كُلها فى وطننا
المسلوب, بدون وجه حق.. الاستيلاء عنوة لم يقتصر على الاراضى والاملاك, بل
اتسع ليشمل ارواح الناس.. فكما الارض ليست مِلكاً لآحد , فأرواح الآطفال
والشباب والِرجال ليست مِلكاً لآحد, إلا له هو او للموت...
اُجبر العريس ان يستقل قافلة الموت
المُحقق, ليتأمل وجوه شارِدة, حائِره, مُستغربة, لعله يجد اثر او علامه فارقة
على الوجوه قبل الرحيل. نظرات مُتلهفة لعودة اللقاء, مُستبشرة بغدٍ لن يكون
له رجاء. شباب برىء فى عمر الزهور قُدم كهدايا للرزايا, يلعق دمائه ويضمد
جِراحه ويندب اشلاء اخوانه المتناثرة فى الهواء وألالات الحربية المُهانة
والشقاء المُقيم. أجسام معوقة ونفوس مُحطمة, عيون جاحظة وجباه تعلوها صفرة
الموت. ارواح تصرخ, تصرخ وتصرخ فى الظلمات, ليعلو الصراخ فى كل مكان. ويمتد
سِعار النوح والزئير ليملاء اجواء الصحراء الفسيح, ليعصِف الموت اللعين
بأرواح الباكين والمشيعيين, ولتلقف توابيت الاحلام المليئة بما حصده القدر
اللئيم.. ما كان سر هذا الدمار ؟ أليصبحوا لُعبة فى يد الاقدار ؟؟
تمر الاعوام, يطويها الزمان وهو لا
زال هناك. لا تدرى اين ؟ غير انه هُناك, حيث أخذوه. تصرخ مستغيثة لضمير
العالم بأنها تُريد أن تراه, ولو لمرة واحدة, وجفاف الصمت من حولها يغمسها فى
الموت. ليتهادى قطار الاسئلة والفضول غبر المحطات المتنوعة.
قصة عريسها المفقود تسرى فى الروح
ويركض هو فى قلبها, لتتعلم ان تُهادن نزف الجِراح . يا حبيبى فى البُعد
القاتل, انظر الى وجهك فى الاحلام, لاستيقظ باحثة عنك بجوارى, فيموت اليوم
وتبقى انت, ولاصبح انا لحناً لقصيدة حزن, من يوم اخذُك عنوة من تُراب بيتى
الى وقت إزهارك فى فضاء الوطن ليتحلل دمك بثراه.
ستة اعوام من حياة الوحدة والعزلة
والشتات, ليصبح قلبها عنواناً للصبر والصمود. قلق وأنتظار وارتباك, ألاماً
تضرب جذور اعماقها لينتفض قلبها عند كل طرقه باب, او سماع اى خبر عن الحرب
ولو من بعيد. يمر الوقت ويخبو الامل ليدب من جديد, فتُقيد الشموع وتُهدى
الورود, وتدعوا الاهل والاحباب والجيران وتنتظر هى وطفليها التوئم, مع
المُنتظرين, مصحوبين بالامل, لا يهم ان كان حياً او ميتاً, المهم ان يعود
صداه وتعلن حقيقه رجوعه, بأنه مات شهيداً من اجل البلاد. ولكن شيئاً لم يحدث
ولن يحدث, فقد كان مجرد تشابه بالآسماء.
تدخل حرب صامتة , لتصبح هى وطفليها
, احد ضحايا تشاد, الذين لم تتضمنهم قوائم الخسائر البشرية, فهى تتألم مثلها
مثل غيرها, دون ان ينتبه احد الى انها اكثر تأثراً وتوتراً وقلقاً وإنتظاراً
ويأساً وإحباطاً, ولتتحول بسمتها الى أشلاء من الدم واللحم المُتطاير, تماماً
كما تحولت حياتها من الحقيقة الى الكابوس الذى تعيشه بفعل الحرب. منذ ان خبِر
الناس الحروب ورثوا شىء واحد منها, الا وهو فقدان احبتهم, مصيبة لا يكتوى بها
إلا المُقربون. مأساة القابع فى المجهول حين تشتبه زوجة صغيرة السن فى وفاة
زوجها الحبيب, ولكنها تعجز عن الحداد فى غياب الدليل, فتعيش مُعذبة بأنتظار
مُعجزة ما, عسى ان يكون اسمه الاسير.
ذهبت جهودها ادراج الرياح, تجوب
البلاد, تسأل, تبحث, تدقق المعلومات, تسرُد حكايات بخصوص النزاع. وإله الحرب
مُجبر على الصمت الرهيب, حاملاً مظلته, خوفاً من لهيب الشمس اللعين, وبقيه
الشعب يغط فى نوم عميق. تبحث مُتابطة ذراع اليأس, غير قادرة ان تتجاوز
الاحداث العنيفة, كأحد قنابل الحرب العنقوديه لِتدوى سماء حياتها, ليُلازِمها
القلق المُهين, لِسنوات طِوال حتى بعد إنتهاء القِتال. ليغرس فى نفسِها جرح
مُتقيح, ضر بنسيج روحها والعلاقه بينها وبين الغير.
ولدت حُرة والحياة لديها لا قيمة
لها بعد ان فُقد الحبيب, قدرها يحثها على التضحية بقية عمرها لتربية طفليهما,
هذا ما تتمناه بِكُلِ حواسها, فهو غائب وعليها الانتظار, او شهيد وعليها
الوفاء, طفليها اللذان لم يعرفا معنى الابوة, إلا ما سمعاه من هنا وهناك عنه,
ليجود النظام عليهما بلقب يتيم ينتظر اباه مُحملاً بالحلوى والنياشين, ولكن
النظام ابى إلا ان يقلدهما القهر والحرمان والتهميش وألاهمال. ولكنها تُساق
الى حتفها, عندما يعرض عليها امر الزواج , لتصرخ فى وجوههم رافضه طرح
الموضوع, ولكن نظرة الناس اليها تظغط على انفاسها, عندما يُفرض عليها ان تجوب
طريق المحاكم لتحصُل على شهادة وفاة رغم انه قد يكون على قيد الحياة, فهى
صغيرة السن وجميله, وحرام ان تضيع بقية عمرها فى الانتظار, فمثلها يجب ان
يكون فى كنف زوج يضمن لها الاستقرار والاستمرار, فمن سيربى صغارها ومن سيدخل
البسمة على قلوبهم كُل عيد ومن سيُلملم جِراحِها ويمسح عبرتها من على وجنتيها
ليل نهار ؟ ومن سيتكفل بها وبطفليها عندما تخل عنها الِنظام الذى تنصل من
مسئوليته وانكر الحرب ؟ هى بحاجة الى من تشكوا اليه همها فى حال غياب
والديها, جُملةً رُددت على مسامعها كل دقيقه وثانيه لتودىء نتائجها لاحقاً
فترفع راية الاستسلام لهم وللقدر, وتُعلن موافقه خططهم والاذعان لها . صراع
من اجل البقاء, صراعها هذه المرة مع اهل الزوج الذين ابوا الا ان يستكثروا
عليها حقها فى عيش الحياة, وبأن فلان المفقود ليس فى عداد الاموات وان عليها
ان تدفع الثمن مهما كان, فأمر زواجها مرفوض وعليها الوفاء والانتظار. اربعة
اعوام من عمرها استلزمت حكم إنتصار. ورقة تقول انه مات. يا لمهزلة الاقدار.
فضاء عالى فُتحت ابوابه لارواح
الشهداء الذين قضوا فى إدغال الصحراء. لم يجازوا بشعور الانتصار على الاعداء
رغم صبرهم وغربتهم, وإنما جازوا بروح النفى والاقصاء. حرب ملعونة حرقت الاخضر
واليابس بما فيها الراية الخضراء . قطعت شرايين الحياة فى السارة ووادى
الدوم, ليطلق بلد الارامل على وطن لم يعرف معنى لحرب كارثية, ينتهى مُشعلها
بالتبرىء من مسئوليته منها, وليفرض على نساء ليبيا الاتشاح بالسواد بسبب
الفواجع, وليغرقهن فى بحار الضياع والمأساة بعد إغراق ازواجهن وابنائهن ما
بين الرمال وأعماق البحار. إنعكاس هذا الترمل ليس بالهين. كل جثة قُبرت
تبعتها جثة زوجه او ام, ليمتد وينعكس الترمل على جميع النواحى الاجتماعية, من
فقر وعوز واحتياج وجنوح وضياع اطفال, نتيجة لفقدان عائل الاسرة سواء كان زوج
او ابن. دماء اُهدِرت وحياة شعب فُرِطت, والسبب سياسة إبادة بالداخل والخارج
على حد سواء.
حرب مهما كانت اسبابها وغايتها فهى
إثم وخطيئة, ومهما ادعينا انها نظيفة وعادلة تبقى قذرة وظالمة .المعلومات
الحقيقية عن المفقودين حُجبت كسلاح سياسى ليس ضد العدو, الذى لا نعرفه, ولكن
ضد اهلنا وشعبنا من قبل راعى كره رعيته , فزج ببعضه غياهب السجون والبعض
الاخر بغياهب المجهول. الراعى ليس خائفاً من المسئولية عند السؤال. فمثله
محارب مغوار , صولاته وجولاته تشهد لها الادِغال . جهوده فى إنقاذ جنوده
دونها التاريخ بالدماء. فهو قد اعطى الاولوية للعثور على الاحياء دون الاموات
للحيلولة دون رجوعهم, فيسطروا التاريخ بشهادات ضده وليكونوا كمسمار جُحا , او
خوفاً من ان يعودوا كجيش خبر الحرب فيقودوا تمرداً دموياً ضده , مع هذا او
ذاك.
قضية ضحايا تشاد قضية ركنها الزمن
على احد رفوفه, وقصه هذه المرأة ليس تقليباُ لمواجع ولكنه مُلامسة لواقع قام
, يقوم ودام.
حتى تندمل جراح مُجتمعنا, على
السلطة ان تُقر بأن مًشكلة المفقودين مشكلتها الخاصة ولتُشرع ابواب مقبرة
الشهداء على مصرعيها لتستقبلهم بشواهد اسماءهم بدلاً من اسم مقبرة الانتظار
الفارغة, فجلاء مصيرهم يجنب الجمود الطويل, وان تقوم بتكريم الاحياء منهم
فتستقبلهم إستقبال الابطال.. واقع صارم ان يقف الوطن عارياً, مُستباحاً
مسلوباً. سماءاً وبشراً وثروة, لا يستحق قائده الفاشل الا ان يصلب على عامود
الخيانة المُرصع بجماجم الابرياء.
على الشعب الليبى التخلص من
المرجعيات الفكرية التى سيطرت عليه إبان العقود الاربع الماضية اثناء تعامله
مع النظام ورمزه , ليدركوا أنهم يعيشون اليوم فى حضارة حقوق الانسان فكرياً
وان للانسان الحق فى الرفاه مادياً. عندها يمكنهم ان يتخذوا مبادرة وطنية
تحررهم من الحروب والافات والالام والمصائب, ومن مسايرة الواقع المر الذى
يعيشونه, ويجعل المواطن الليبى اينما كان رسول وفاق ووئام وليس عبداً للاصنام
والاثام.
تحية مُكللة بكُلِ ايات الاحترام
والتقدير والامتنان الى جميع ابطال حرب تشاد الاحياء منهم والاموات. جعل الله
تضحياتكم سرابيل تقيكم عذاب الدنيا والاخرة ولتكون لكم العمل الصالح الذى
يقربكم الى الله.
وطنى 100
|