لقد إنطلق
السلام من كونه فكرة تدعو لتوحيد الله في كونه وتحقيق لعبوديته والتي خُلق
الخلق لتحقيقها أولاً وذلك في قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبودون}1،
ومن هنا فإن الحركة الإسلامية تنطلق في مبتدأ أفكارها ومنتهاها من هذه
الفكرة والتي كانت وعلى مدى قرونٍ هي الفكرة الأساس لكل نبي مرسل أو داعية
مصلح، ولهذا فتعتمد قوة الحركة الإسلامية – دعاتها ومصلحيها – على قربها
وبعدها من هذه الفكرة الراسخة، والتي هي أساس نزول الوحي وإنطلاقة رسالة
الرسول العظيم محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ومن هنا فإنا أي
جزء من الحركة الإسلامية تأخذه المتغيرات والتطورات بعيداً عن هذه الفكرة
الأساس يعرض نفسه للإنحراف، و للضمور، وللخروج عن الجادة في كثير من
الحالات وقد أرتنا التجارب العديدة لبعض أجزاء الحركة الإسلامية المتراميت
الأطراف سواء منها من إنحدر لأعمال التطرف الخطيرة أو الإشتغال بمتاهات
السياسة ؟ والإنشغال عن مهمتها الأسمى ووظيفتها الأشرف.
دعاة لا قضاة،
هكذا كان حبيبنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولا أقصد هنا بأي
حال من الأحوال التقليل من دور الحركة الإسلامية أو التنكر لشعاراتها من
أصل أن الله غايتنا إلى حقيقة أن الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، ولكنني
أقصد قول القال: "أخي لقد حققنا مكتسبات لا نستطيع التنازل عنها ..."؟!
لأن التنظيم إن
إستمر في طريقة متصلباً على حاله لا يتطور ولا يتبدل مع تطور المجريات
وتجدد الأحداث جامداً – مع التأكيد على تمسكه بأفكاره الأصيلة وبمبادأه
الأساسية ومعتقداته الثابته – فإما أن ينكسر أو يتحلل أو يضل في حالة
مراوحة في نفس المكان، ولربما بدأ العودة للخلف عوضً عن التقدم إلى الأمام،
ولهذا كان لزاماً على التنظيم الإسلام في مراحلة المتقدمة أن يتحول من
التنظيم المنغلق على نفسه إلى الحركة المنفتحه على الجميع لتتمكن من تحقيق
فكرتها الأصيلة و هي تحقيق قول ربعي بن عامر رضي الله عنه لقائد الفرس رستم
حين قال: "أتينا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن
جور الأديان إلى عدل الإسلام، و من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
الحركة، ليست
شكل من أشكال التنظيم ولكن هي فكرة أصيلة ومبدأ أساسي ومعتقد ثابتٌ راسخ،
وهذا ما عبر عنه المراقب العام لحركة الأخوان المسلمين بليبيا المهندس
سليمان عبدالقادر في رده على سؤال لصفحة ليبيا اليوم عن الحراك والجدل
الكبير الذي شهدته ليبيا مؤخرا وتمثل فيما عرف بالمنابر السياسية والحديث
عن الدستور.. هل هم مع المنابر والدستور؟ وما هي ملاحظاته المبدئية على
مسودة الدستور؟ بقوله: "نحن عبرنا عن ترحيبنا بهذه الخطوات، سواء كانت
المنابر السياسية أو الإشهار للجمعيات الحقوقية، أو تلك المتعلقة بالدستور؛
فموقفنا المبدئي؛ نعم لهذه الخطوات مادامت تسعى إلى تخفيف الاحتقان واحترام
حقوق المواطن وبناء المجتمع الليبي المدني. بالنسبة للملاحظات على المسودة،
والتي سمعنا أنها نسخة مسربة، فالموقف المبدئي من الدستور هو: مادام هذا
الدستور يحترم ويحرس معتقد وثوابت شعبنا الليبي وثقافته وقيمه العربية
الإسلامية.. مادام هذا الدستور يحفظ حقوق المواطن وحريته كاملة.. مادام هذا
الدستور ينظم المسؤوليات والصلاحيات ويحدها بحدود مصلحة الوطن العليا..
مادام هذا الدستور ينظم عمل كل الأجهزة في إطار قانوني.. مادام هذا الدستور
ينص على القضاء المستقل.. مادام هذا الدستور سيعرض على الشعب بأسلوب يحفظ
حرية الرأي وشفافية الأداء.. فإننا سنكون معه وندفع إلى تحقيقه وندعم
القائمين على إعداده ونشد على أيديهم."2،
و في رده الكريم على سؤال آخر قال: "فيما ذكر من تمسكنا بالعمل من خلال
مؤسسة أهلية؛ فهذا مطلب أعلناه منذ عام 2006، وهو منبثق عن التوجه الذي
حدده المؤتمر العام للجماعة وهو في نفس الوقت أمر نفتخر به، أولا لأنه مطلب
لنا و لغيرنا فلم نطالب النظام به لصالحنا فقط بل لكل أبناء الوطن, ثانيا
لأنه يعكس وضوحنا في مطالبنا أننا بالفعل نريد العمل من داخل الوطن، وأن من
يمنع هذا المطلب الشرعي هو الذي يمنعنا من التواجد داخل الوطن بفاعلية.
ثالثا أنه يعكس أننا جادون وصادقون في عدم العودة إلى العمل السري. من
ناحية أخرى فإننا نرى في بلادنا أن أسلوب العمل من خلال مؤسسة أو جمعية أمر
ملح تقتضيه عملية الإصلاح, ونرى كذلك بعض الخطوات الكبيرة قامت بها مؤسسة
أو جمعية، فلماذا ينظر إلى مطلبنا بالتواجد في إطار قانوني من خلال مؤسسة
أو جمعية على أنه مطلب غير مناسب؟"3
لأن ليونة الحركة في تعاطيها مع مشاريع الإصلاح تندرج تحت مسمى الأنفتاح
العام والمشاركة في مشاريع الإصلاح و التي هي جزء لا يتجزء من مهمتنا
كدعاة.
لإن التعبئة
وكما عبر عنها البعض "تنقلب الي إحتراق ذاتي اذا لم يتبعها تفريغ ملائم
وسريع في المكان والزمان المناسبين"، ومنها تنطلق الأفراد العاملة من
التنظيم في حركة داؤبة واسعة تتجاوز حدود التنظيم والتنظير.
وهنا يأتي
الأنقلاب ؟! والذي قد يظن البعض لمسماه أنه موجه للإستلاء على سدة الحكم أو
الوصول إلى مكتسبات فردية أو تنظيمية؟!! بل بالعطس تماماً فهو إنقلابٌ
يسيرُ في نفس الأتجاه متناغماً مع أصل قيام التنظيم وتحوله إلى حركة عامة،
وهو الفكرة الأصيلة، والمبدأ الأساسي، والمعتقد الثابت، لأن معنا الإنقلاب
هو مطلق التغير سواء عرضياً أو تغيراً في الشيء من حقيقة أخرى، فيشمل
التغير النوعي والصنفي أيضاً، ومن هنا فإن الإنقلاب الذي يعنيه الدعاة هو
إنقلاب الفرد المنحرف إلى الإستقامة والموظف المتكاسل في عمله إلى موظف نشط
يعرف أنه من واجبه العمل الجاد حتى لا يكتب عليه عند ربه سارق لراتبه،
والأسرة التي بنيت على أسس وعادات عقيمة تعود لتتحول إلى أسرة مبنية على
أساس إلهي من المودة والرحمة وهي ذات الأسرة التي تسعى لتحقيق حكمة الله في
خلق الذكر والأنثة لدوام الحياة البشرية، وهي في نفس الوقت التي تُخرجُ
للوطن الإنسان الصالح المصلح، ومن معاني الأنقلاب هنا تحول الحكم من سلطان
جور وظلم يسعى لتحقيق مصالحه ومصالح من حوله إلى حكم يسعى لتحقيق العدل بين
الناس وتمكين الإنسان من الوصول إلى حقوقه وأداء واجباته، وقس على ذلك..
وهذا ما عبر عنه
المراقب العام لحركة الأخوان المسلمين بليبيا المهندس سليمان عبدالقادر
أيضاً في رده على سؤال لصفحة ليبيا اليوم عن تحذير الحركة في بيانها من أن
عرقلة الإصلاح قد تؤدي بالبلاد إلى الانزلاق في دوامة التطرف والعنف ؟
بقوله: "وبعكس ذلك حين رفعت راية الإصلاح ومشروع ليبيا الغد رأيت الكثير من
أبناء الوطن يباركون هذه الخطوة ويشيدون بالقائمين عليها، ويبدون كامل
استعدادهم للتعامل معها والتعاون في إطارها بما فيه رفعة الوطن وصلاحه.
أعتقد أن خط الإصلاح والحوار هو الذي سيبني الوطن وسيوظف جهود كافة أبنائه
لخدمته. نعم، قد نشهد في هذه المسيرة بعض الأخطاء الفردية أو التجاوزات من
هنا أو هناك، ولكن المطلوب من الجميع أن يتعامل معها بقدرها وبحجمها
الطبيعي، وألا يكون هذا سببا إلى عودة التوتر والرجوع ببلادنا إلى المربع
الأول..."4،
و في رده الكريم على سؤال آخر قال: "كل الذي نمارسه الآن هي توعية بالحقوق
وبالخطوات الحقيقية التي تؤدي إلى بناء المجتمعات والدول القوية، ونرى أن
هذا العمل هو من صلب العملية التربوية التي نضطلع بها. نعم، ربما يكون هناك
تراجع عن العملية التربوية في مفهومها التقليدي إلى عملية تربوية أوسع
اشتملت على مساحات ومجالات تربوية أخرى اقتضتها ما يشهده عالم اليوم من
تطورات وتنوعات لابد من الوعي بها ومواكبتها."5
إذا الشعب يوما
أراد الحياة -- فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي -- ولابد للقيد أن ينكسر
ومن لم يعانقه شوق الحياة -- تبخر في جوها واندثر
كذلك قالت لي الكائنات -- وحدثني روحها المستتر
ودمدمت الريح بين الفجاج -- وفوق الجبال وتحت الشجر:
إذا ما طمحت إلى غاية -- ركبت المنى ونسيت الحذر
ومن لا يحب صعود الجبال -- يعش ابد الدهر بين الحفر
فعجت بقلبي دماء الشباب -- وضجت بصدري رياح أخر**
وبعد هذا سيقف
لنا من يقول و ماذا عن الحاكم والدولة؟!!! سنقول له لقائنا في الحلقة
القادمة والتي ستكون تحت عنوان "العودة إلى أساسيات الحركة".
علي عبدالنبي
العبار
1.
الذاريات 56
2، 3،
4، 5. صفحة
المنارة للإعلام (حوار مع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين- ليبيا –
26-6-2008)
** للشاعر أبي القاسم الشابي
التعليقـــــــــــات
وطنى حتى
النخاع: سبحان امغير الاحوال. هل نسيت ام تناسيت ياسيد على كتاباتك السابقة
التى تتهم فيها الاصلاحيين انهم طابور خامس وانهم الحرس الجديد لسيف
الاسلام وان قضية الاصلاح لن تتم جازماً كلامك بأن النظام الحالى بايد ولا
ينفع فيه التغيير وبالتالى اعتبرت حضرتك ان محاولات الاصلاح التى يقوم بها
دعاتها فى الداخل ماهى الى محاولات فاشلة.. هل نسيت ام تناسيت ام ان الامر
(مسيرة الاصلاح) تصح عندما يقودها الاخوان المسلمون. ثم انه حاول ان تراجع
وتصحح بعض من مفردات كتاباتك لان بها الكثير من الاخطاء الاملائية وهذا
يشين للكتابة ولكتاب هذا الموقع المهم.
|