كلمة "داموس"
في اللهجة المحلية تعني كهف (Cave) وهي لفظة شديدة البلاغة إلى حد لا
يصدق.... فهي لا تكتفي بأن تشير إلى انتشار الظلام "الدامس" داخل الكهف
ولكنها تعني أن الكهف نفسه يحيل الحياة بداخله إلى ظلام "دامس" وبشكل قاهر
تتراجع أمامه كل خيوط الأنوار وتعبر عن مرحلة فكرية مظلمة من تاريخ البشرية
!
فالحياة البشرية
مرت بثلاث مراحلة على أقل تقدير اجتازها ذلك الغوريلا البالغ الذكاء بنجاح فذ
منقطع النظير، المرحلة الأولى كان يحمل فيها الغوريلا أبنائه فوق ظهره ويهيم
على وجهه في الغابات والسهول يمارس خلالها حرفة الالتقاط والصيد ولكنه غالباً
ما كان يقع هو نفسه فريسة لنفس الحرفة !!!
المرحلة الثانية
ابتدأت عندما صعد إلى الكهف "الداموس" لكي يحمي أطفاله من الحيوانات المفترسة
ولكي يحتمي من "قرة" الشتاء وهاجرة الصيف ثم ينتظر إلى أن تتحسن الظروف فينزل
إلى الغابة لالتقاط قوت عياله !... وذات مساء قبل عشرة آلاف عام بينما كان
الغوريلا يتأمل الأفق الصافي أدرك بأنه أذكى الجميع وأنه عليه منذ الآن أن لا
ينتظر إلى أن تتحسن الظروف بل عليه أن يقوم بصنع هذه الظروف بنفسه وعليه أن
لا ينتظر الي أن تعطيه الطبيعة بعض الفتات... بل عليه أن يحكم قبضته عليها
ويروضها فابتدأت رحلة الألف ميل بخطوة عندما نزل ذلك الغوريلا من الكهف وقام
بشق "الغرين" حول نهري دجلة والفرات وأقام أول مجتمع زراعي إنساني.. ثم لم
تلبث بعد تكون المجتمعات البشرية وازدهارها أن ظهرت الحاجة للغة،
والقوانين... والنظام.. وللحساب.. والعلم....فتطورت هذه المجتمعات بسرعة الضؤ
الي أن صار بأمكان الغوريلا ذاته أن يستنسخ نفسه.
في الجولة الأولى
من المعركة ضد الطبيعة ظهر بعض الأقوياء يتزعمهم الكاهن الذي يدعي بأنه على
صلة وثيقة بقوى غيبية لا تقهر بامكانها أن تجعل دجلة والفرات يفيضان ويخربان
كل ما أنجزه البشر !! ثم لم يلبث أن تحول المجتمع الزراعي إلى مجتمع إقطاعي
على يد الدولة الرومانية في تحالف محكم بين "نبلاء السيف" الذين كانوا
يمتلكون الأرض "ونبلاء الروب" الذين أقنعوا الناس بأن يفرطوا في الدنيا
ويربحوا الآخرة!! في هذه النقطة من التاريخ رأى بعض العبيد الأبقين أنه من
الغباء الإنساني أن يفر الإنسان من براثن وحوش الغاب وظلمات الداموس ليقع
فريسة وحوش البشر فرموا معاولهم وفروا من أراضيهم وأقاموا متاجرهم على امتداد
الخط الذي يفصل بين المقاطعات ولم يلبثوا أن حققوا تراكم هائل مكنهم فيما بعد
من بسط نفوذهم على حركة التاريخ "نشأة البرجوازية" تزامن ذلك مع نشأت الثورة
الصناعية ابتدأت في "إيطاليا" وسرعان ما انتشرت في أوروبا وظهر مفهوم جديد
للحياة مفاده أنه على الإنسان التخلص من الارتباط بالكهف ... الارتباط بالأرض
"سقوط لاقطاع"( لفظة Terrone تعني الارضي او المرتبط بأالارض وهي لفظة يعير
بها الشماليون الجنوبيون في ايطاليا) وأصبحت القيمة الحقيقية هي تحقيق "التراكم"
في رأس المال "رأس المال هو الوطن" وترسخ هذا المفهوم بوصول البرجوازيين
للسلطة "الثورة الفرنسية".
منذ تلك الحقبة
تبلور مفهوم البحث العلمي المعاصر بمفهومه العام فتحقيق التراكم يقتضي تحسين
الآلة أو الخدمة أو الحرفة أي زيادة الكفاءة وتقليل التكلفة أو إحداث
اكتشافات جديدة تمكن من السيطرة على الطبيعة وجعل الحياة البشرية أكثر سعادة
وأماناً ورفاهية وأخيراً تحقيق تراكم أكبر. فالبحث العلمي ضرورة حياتية
لتكييف الطبيعة والسيطرة عليها ولتحقيق الرفاهية ولحل المشكل الاقتصادي
الابدى [ندرة الموارد زيادة الطلب] وفوق كل ذلك لضمان الوجود فالأمم التي لا
تحقق نجاحات علمية تضمن بقائها [تكفل تحقيق دخل اقتصادي، أو تحقيق أمن قومي]
قد لا يكون بمقدورها البقاء على خارطة العالم حتى في المستقبل المنظور
[الحضارة الراسمالية حضارة أبادية بطبيعتها لا تعترف بالضعفاء وغير ملزمة
أخلاقياً بتحقيق تراكم واستثماره على رفاهية الآخرين وهي منسجمة تماماً مع
نظرية الانتقاء الطبيعي "البقاء للأصلح أو للأقوى" والأقوى هو الذي يمتلك رأس
المال والقدرة على استثماره... في مجال الصيدلة هناك مصطلح "أمراض العالم
الثالث المهملة Third world neglected diseases ... بمعني أن الشركات الكبري
تصرف مليارات الدولارات علي بحوث مضادات السمنة والمقويات الجنسية وأمراض
القلب والاوعية الدموية بأعتبارها من أمراض العالم الاول فتكون البحوث مضمونة
الربح... ولاتنفق فلسا واحدا علي بحوث الملاريا وذبابة النوم والبلهارسيا....
بأعتيارها صفقة رأسمالية خاسرة... مما يعني ابادة العالم الثالث..خصوصا السود...
الضجة الا علامية حول انفلونزا الطيور من باب انه فيروس يمتلك جناحان
وبامكانه ان يصل الي الاغنياء... ولو كان مرض متوطن في العالم الثالث لما
كانت كل هذه الضجة... بعض الشركات الاوروبية والامريكية رفعت قضايا ضد شركات
هندية.. وجنوب افريقية لانها انتجت ادوية مضادة للايدز بأسعار زهيدة مما جعل
الاخلاق الرأسمالية برمتها علي المحك...].
من السياق السابق
سوف نكتشف أن مفهوم البحث العلمي الحديث تم الوصول إليه عن طريق المرور بعد
مراحل:
1- النزول من
الكهف [التخلص من فكر الالتقاط – الاستقرار].
2- تكوين مجتمع
مدنيٍ [زراعي – تجاري – صناعي – خدميٍ].
3- تحقيق التراكم
المادي من هذا النشاط واستثماره في البحث العلمي لتطوير نفس النشاط والقدرة
على المنافسة وتحقيق تراكم أكبرمن ثم استثماره في مجالات بحثية أوسع... أن
ممارسة البحث العلمي كهواية مستقلة عن نشاط المجتمع قد تكون هواية صحية مفيدة
من الناحية الرأسمالية ولكنها على المدى الاستراتيجي مشروع بلا عائد.
يمكن تصنيف البحث العلمي إلى
نوعين:
1- بحث علمي
استراتيجي وهو ذا عائد بعيد الأمد غير منظور مثل بحوث الطاقة
الشمسية... بحوث الفضاء... بحوث تحلية المياه... قراءة الجينوم البشري.
الامراض المتوطنة... والدولة كوحدة سياسية ملزمة بالانفاق على هذا
النوع من البحوث.
2- بحوث ذات
عائد قصير الأمد وهي تلتصق بمفهوم التراكم وتتحكم بها عقلية السوق
Market وينفق عليها عادة القطاع الاهلي او الشركات الرأسمالية.
|
شريعة الداموس... بأحرف من ظلام:
قبل عشر الآف سنة
ذات مساء كان الليبيون يتأملون الأفق الصافي وكانوا مثلهم مثل باقي البشر قد
قرروا النزول من الكهف في اليوم التالي.
في اليوم التالي
حدث ما لم يكن في الحسبان.. اختفت الغابات.. جفت الوديان.. مخلفة ورائها
كثبان رملية شاسعة قاحلة لا تبقى على زرع ولا ضرع !! وهكذا فقد خرج الليبيين
من السباق قبل صافرة البداية.. وأدركوا أن السيطرة على الطبيعة مهمة مستحيلة.
وأن الفرار من الداموس الي الصحراء هي عملية فرار من الرمضاء بالقفز في
النار... أمام هذا الواقع الجديد انقسم الليبيون إلى:
1- قسم حاول
الاتجاه شرقاً والسيطرة على منابع المياه (وادي النيل) وهو ما يعرف تاريخياً
بهجوم القبائل الليبية ويذهب المؤرخ الانكليزي المعرف (ارنولد توينبي) في
نظريته "الحث والاستجابة" “ Induction and response" إلى أن الحضارة المصرية
القديمة ما هي إلا استجابة مضادة للهجوم الكبير الذي قامت به هذه القبائل.
[نجح الهكسوس في اجتياح مصر فيما بعد ولكنهم فشلوا بالاحتفاظ بها].
2- قسم بقى معلق
بين السموات والأرض كل هذه العصور، وهو قسم بقى يقطن "الدواميس" [وهي تنتشر
في جميع أنحاء الجبل الغربي من مسلاته حتى نالوت ويقطنها الأهالي حتى وقت
قريب 20 سنة مضت] خصوصاً وأن هذا القسم ضمن بعض مصادر المياه القريبة كالعيون
وبعض الأمطار وهي مصادر شحيحة لا تكفي لتكوين مجتمعات مدنية أو زراعية أو
صناعية أوتحقيق أي تراكم من شأنه أن يحسن الخدمة أو الحرفة تجعلها قادرة على
المنافسة من ثم يتبلور مفهوم "البحث العلمي المعاصر".
3- القسم الثالث
أدرك أن تكييف الطبيعة ولجم جماحها هو ضرب من الانتحار فأختار الطريق المعاكس
أي أن يتكيف هو مع الطبيعة [ البدو الرحل على اختلاف مشاربهم] وأن يستمر في
ممارسة الالتقاط وهي سمة عصر الكهف وبناء على فرضية ماركس "البنية التحتية هي
التي تؤسس لبنية فوقية" فقد خلق هذا الوضع منظومة أخلاقية متكاملة وهذه امثلة
علي هذه البنية:
1- كل بدوي معرض
للضياع في الصحراء ويحتاج لمن يغيثه بالماء والزاد (تمجيد قيمة الكرم).
2- كل بدوي معرض
للسطو والقتل في الصحراء ويجب على القاتل أن يعرف أنه يترتب على ذلك عواقب
وخيمة (تمجيد قيمة الثأر)... الثأر.. الترحال.. الغزو.. الحرب.. يحتاج الي
عضلات.. (عد رجالك واورد الماء.. حب البنين ووأد البنات).انتشار الاوبئة.مما
يزيد معدل وفيات الاطفال.. وحقيقة ان الحرب مثل النار تلتهم كل ما يلقي اليها
من رجال (تعدد الزوجات..انجاب اكبر عدد من الاولاد... وهي حيلة تلجاء اليها
السلاحف والذباب بوضع اكبر قدر من البيض لانها تعلم سلفا ان الطبيعة سوف تقضي
علي معظمه).
3- لا توجد حيطان
في الصحراء للصق الإعلانات ولا توجد محطات راديو الوسيلة الوحيدة للدعاية هي
الجمل اللغوية شديدة البلاغة التي يمكن تبادلها في الأسواق وانتقالها شفهياً
بين الناس (تمجيد قيمة الشعر).
4- الترحال
المستمر نشأ عنه عدم الارتباط بالأرض "على عكس نظام الاقطاع في أوروبا" نشأ
عن ذلك قيمة عدم الاهتمام بالعمران "يرى ابن خلدون أن البدو لا يهتمون
بالعمران وفوق ذلك هم خطر في حد ذاته على العمران لأنهم قد ينزعون ألواح
الأسقف لجعلها عمد للخيم.. و... الخ ".
5- البدوي يقضي
أوقات طويلة وحيداً في الصحراء مما يجعله ينظر إلى العالم الخارجي من خلال
عالمه الداخلي .. ويعتقد أنه محور الكون ويفشل في التفاعل الاجتماعي
والانتقال من العقل الفرداني الي "العقل الجماعي" الذي هو شرط أساسي
للاستقرار وللإبداع [نظام المؤتمرات الشعبية يفترض اناس تتصرف بالعقل
الجماعي].
6- نتيجة وجود
فراغات شاسعة في الصحراء بين الأفراد يحتاج المرء لرفع صوته أثناء الكلام أو
للنداء (الحروف الحلقية هـ، ح، ع، خ... تميز اللغة العربية عن غيرها من
اللغات)... الحجاب... الختان.
ان بروز القبيلة
كوحدة اجتماعية وحيدة ملائمة في الصحراء جعلها تتحول الي فكر أجتماعي يعبر عن
صورة العصبية الملائمة للبيئة الصحراوية وهي صورة متطرفة عن العصبية القومية
التي تفسر التاريخ تفسيرا اجتماعيا علي الرغم من كونها احد مكوناتها فالقومية
تتهذب وتتقوي بالدين بينما القبلية قد تضعف القومية والدين والوطنية (الصراع
القبلي وتحالفه مع قوميات أخري مضادة... الاندلس.. الصراع القبلي افشل
المشروع الوطني للجمهورية الطرابلسية..بينما نجحت الزعامات الدينية في مشروع
المقاومة. عمر المختار...محمد بن عبدالله البوسيفي...) [أول محاولة لخلق
مدنية قبلية في الصحراء قام بها مغامر يدعي وائل ابن ربيعة انتهت بطعنه في
الظهر... وأول محاولة ناجحة جعلت من البدوا دولة هي الاسلام حيث امتزج العامل
الديني مع الاجتماعي "القومية"... "لكل امة دين وليس لكل دين امة"] [الاسلام
كان موجه بالدرجة الاولي ضد الفكر الالتقاطي.. ان الاعراب اشد كفرا ونفاقا...خير
امتي سكان المدن..من اسلم ثم رجع الي البادية فقد ارتد....كما انه اعطي
القومية شمولية اكبر ..ليست العربية من اب أو ام ولكن باللسان.....].
مجمل القول أن
البنية الاجتماعبة (القبيلة) والبنية التحتية [البيئة – طريقة العيش –
الموارد الاقتصادية والنشاط الاقتصادي...] امتزجت وأنتجت بنية فوقية فكرية
وأخلاقية متكاملة فرضت نمطها على المجتمع الليبي رغم وجود بعض الحواضر
الصغيرة [الواحات – المدن الساحلية] وأصبحت هي السمة السائدة وهي تعبر عن فكر
التقاطي يقوم على استهلاك ما هو موجود دون التفكير في إيجاد ما يمكن استهلاكه
[حاولت الدولة ان تنتقل بالمواطن الي المدنبة عن طريق: ربط المواطن بالارض
(أنشاء المساكن, المشاريع الزراعية, النهر الصناعي), ربط المواطن بالاخر
(شبكة طرق, شبكة اتصالات) ربط المواطن بالآلة (وان لم تكن المصانع قد حققت
المرجوء منها بمعيار الربح ألا انها ادخلت الفكر الصناعي الي مجتمع البدو),
ربط المواطن بالعالم وبالمستقبل (التعليم, الايفاد للخارج..).....] أن
التفكير الالتقاطي تفكير إبادي غريزي لا يهتم في التفكير فيما وراء عملية
الالتقاط نفسها بقدر ما يهتم بالحصول على أكبر قدر من الغنيمة: ونسوق بعض
الأمثلة للتدليل على أن الفكر الالتقاطي لا يهتم بإيجاد البدائل ولا يرتبط
بالمستقبل:
1- الرعي في ليبيا
تمت ممارسته تاريخياً بشكل أبادي مطلق منذ آلاف السنين دون الاهتمام ببناء
السدود... على سبيل المثال.
2- نبات السلفيوم
تمت إبادته في الجبل الأخضر حتى آخر عشبة وعلى الرغم من أنه يباع بوزنه ذهباً
"فالتراكم" الذي تم تحقيقه لم يستثمر في زراعته !
3- البدو في
الحمادة حتى هذه اللحظة يلتقطون "الترفاس" بشكل أبادي أي التقاط جائر قبل
موعد نضوجه وبالتالي عدم ترك جزء من خلاياه الناضجة في الأرض يمكنها أن تكون
بذور للموسم القادم ولن نفاجأ جميعاً إذا ما تمت إبادة وأقراض هذا النوع من
الفطر.
4- مع نزول
السيارات الصحراوية والبنادق الآلية إلى ليبيا في ستينيات وخمسينيات القرن
السابق تمت عمليات صيد جائزة [علاقة حنين مع نزعة الصيد في عصر الغاب]
بموجبها تمت أسرع عملية أقراض للحيوانات في التاريخ.
5- لعل من أهم
الظواهر التي لازالت موجودة حتى يومنا هذا "تحليل المال العام" بمعنى سرقة
المال العام حتى آخر فلس وبكل الوسائل... وهو يأتي من باب التعامل مع النفط "كالترفاس"
ومحاولة التقاط أكبر غنيمة منه ..ٍِ[ الفكر الالتفاطي: يعتقد دائما ان المطر
لن يأتي في العام القادم... وأذا درت ناقته عليه أن يحلبها حتي أخر
رمق..شريعة الداموس: أزمة ثقة في المستقبل]..تقسيم امانات المؤتمرات علي هيئة
حصص قبلية (لفظة حصة لفظة التقاطية.... مبدا تداول الالتقاط (السرقة)..)...تمليك
السيارات العامة...أحتقار الحرف اليدوية في السيكولوجية الليبية.
خلاصة القول أن
الفكر الالتقاطي فكر غريزي لا يهتم بإيجاد البدائل ولا تطوير الإمكانيات ولا
اكتشاف الأفكار الجديدة ولا يرتبط بالمستقبل وهذا هو العائق ألاول أمام البحث
العلمي في ليبيا. أن فكرة إيجاد البدائل: ستطرح عوضاً عن الرعي الإبادي
محاولة زراعة السحب بطرق غير مكلفة، أو اختراع أجهزة بإمكانها أن تولد الماء
من الهواء، أو مناطيد تنشئ السحاب وتحمله معها إلى أماكن أخرى وعوضاً عن
إبادة الترفاس محاولة زراعته وتصديره "ثمن الكيلوغرام 300$ في أوروبا" هذا
النمط من التفكير يولد الحاجة للبحث العلمي.
- السمة الثانية
للفكر الالتقاطي أنه فاقد للديناميكية ولايمتلك آليات الاستجابة المناسبة
امام الواقع الجديد الذي تفرزه الآلة (البنية المادية)[ رغبة الدولة في نقل
المواطن الي المدنية تزامن مع فورة النفط مما احدث تقدم مادي سريع... دخول
الآلة بشكل متتالي وسريع... كهرباء... سيارات.. كمبيوتر.. هاتف نقال.. بث
فضائي... الخ... كل آلة تجلب معها نمط حياة مختلف... فالكهرباء اضافت 6 ساعات
الي حياة الليبيين (قبل الكهرباء كان الليبيون ينامون باكرا).. التلفزيون اثر
في حياة الفرد والاسرة.. الكمبيوتر يجبر صاحبه علي الجلوس لفترة
طويلة..ويعزله اجتماعيا..] أن هذا التقدم المادي السريع لم يتزامن مع تقدم
روحي [ التقدم المادي اذا لم يرافقه تقدم روحي فأن ذلك ينبيء بحدوث
الكارثة....هيجل] فأمام أى منظومة اخلاقية جديدة تجلبها الآلة يستجيب الفكر
الالتقاطي بطريقة مرتبكة اما ان يتمترس خلف جدران العقيدة ( التطرف...مقاتلة
طواحين الهواء...تحريم التلفزيون مثلا..) أو ان يستجيب استجابة مشوشة يلتقط
فيها الجانب السلبي اكثر من الايجابي بأعتباره الجانب الاسهل انتقال ولايحتاج
الي فهم الآلة في حد ذاتها. هذا الوضع افرز عدم القدرة علي التواصل مع الآلة
حتي علي الصعيد التقني [ يدليل وجود مشكلة صيانة علي جميع الأصعدة, أقدم آلة
دخلت ألي ليبيا هي السيارة ولا يزال معدل الحوادث مرتفع ], الاشكالية التي
تطرح نفسها كيف يمكن لمن يستطع ان يتواصل مع الآلة ان يطورها او يحورها او
يكتشف وظائف جديدة لها.. وهي معظلة اخري امام البحث العلمي.
- السمة الثالثة
للفكر الالتقاطي أنه لا يمتلك الحس بالبيئة أو الطبيعة بمعنى انه يتصرف
بطريقة تدمر الطبيعة نفسها وتستنزف مواردها وتحولها إلى قطعة من جهنم ويترتب
علي ذلك انه فكر عاجز عن ايجاد الحلول ويلجاء الي استيراد القوالب الفكرية
الجاهزة:
1- في جنوب أوروبا
حيث ترتفع درجة الحرارة نسبياً [إيطاليا – فرنسا – أسبانيا] يكون نمط البناء
متناغم مع الطبيعة، تكون مواده من "الحجارة" ذات معامل فقدان حرارة ممتازة،
كذلك الساحات العامة تكون مرصوفة بالحجارة لنفس الغاية، أما عندما يتم
استيراد قوالب وأنماط بناء جاهزة لا تتماشى مع البيئة قد يساعد ذلك على
تدميرها، فاستخدام الأسفلت في رصف الساحات، والطوب الأسمنتي في البناء وهي
مواد لا تفقد حرارتها بسهولة يساعد ذلك على ارتفاع درجة الحرارة (الاحتباس
الحراري) بشكل عام مما يزيد التصحر ويقلل من الأمطار (إبادة ما تبقى من بقع
خضراء فوق خريطة ليبيا).
2- الزراعة التي
مارسها الليبيون بشكل فطري في الواحات ساعدت على الاحتفاظ بالمخزون الجوفي
آلاف السنين ... فعملية الري تتم أثناء الليل، حيث يكون الجور بارد، وتقوم
الرمال بامتصاص الماء بسرعة فائقة قبل شروق الشمس وهكذا تكون نسبة الفاقد على
هيئة بخار نسبة ضئيلة جداً، ويتم الحفاظ على المخزون الجوفي في حلقة محكمة،
مع دخول الآلات الحديثة واستيراد أنماط ري تصلح في الدول التي تمتلك انهار لا
تنضب يتم الري عن طريق الرش على مساحات شاسعة أثناء النهار مما يسبب فقدان
أكبر كمية من المياه في الهواء الجاف .... ولن تمضي سنين حتى نكون قد قضينا
على مخزون المياه الجوفي، على نفس الغرار دورة المياه السوداء والبيضاء على
حد السواء تنتهي جميعها في البحر وهي عملية استنزاف مماثلة.
"ورد في
التقرير السنوي لتقييم مستوى البحث العلمي... والذي تقوم به أعلي مؤسسة
لمراقبة البحوث والنشر ومقرها لندن في تقريرها 2004 حول منقطة الشرق
الأوسط: لوحظ ازدياد عدد البحوث المنشورة في منطقة الشرق الأوسط وإذا
استثنينا دول لها زخم بحثي كبير مثل "إسرائيل" ودول تعتبر قليل البحوث
مثل "ليبيا" سوف نلاحظ تقدم "إيران" إلى المرتبة الثانية بعد "مصر"
وازدياد معدل البحوث في دول أخرى مثل السعودية... وعمان.
عدد براءات
الاختراع التي حققتها إسرائيل في بعض سنين الثمانينيات حوالي 17 الف
براءة اختراع بينما حقق العرب مجتمعين في نفس المدة 425 براءة اختراع.
أسباب تعثر البحث العلمي في
ليبيا:
1- أزمة
فكر(عدم تبلور فكر ايجاد البدائل , النظر للبحث العلمي علي انه نوع من
الترف... او انه استثمار بلا عائد...).
2- ازمة
التموبل ( شح ميزانيات القطاع العام.... وفقر وعدم قدرة القطاع الاهلي
علي امتلاك براءات اختراع وتسويقها.... او تحقيق أي تراكم...).
3- نقص
البحاث (هجرة العقول)... نقص البحاث من الصف الثاني وعدم كفاءتهم(
الفنيين و التقنيين وعدم ارسالهم في بعثات منتظمة.... مما يسبب تعطل
ألاجهزة و المعدات...), وفقر شديد في المراجع والدوربات الورقية
والالكترونية.
3-
البيروقراطية وعدم قدرة الادارات الجامعية علي التصرف بطريقة استثمارية
مرنة... وأدراجها للبحث العلمي كأخر بند علي جدول ميزانياتها.
4- غياب
الروح الجماعية لدي النخبة.
5- الفلسفة
التعليمية برمتها فلسفة تلقينية تنتج اناس غير اميين و غير مبدعين في
آن واحد.
|
أن الإحساس
بالبيئة والانغماد في ذاتها والتعامل معها كشريك حياتي هي البوابة الوحيدة
إلى توطين العلم" فالليبيين سوف يلهثون مئات السنين الأخرى وراء عصر العلم
ولكنهم لن يدخلوه إلا من هذه البوابة.
- فالجمل الذي حمل
الليبيين كل هذه السنين تخلى عنه الليبيين مع اكتشاف أول قطرة زيت في
الصحراء. وكان من الأجدر تطويره كما طور الهولنديون بقرتهم لأنه حيوان من جنس
البيئة.
- والشمس التي
أحرقت أقدام الليبيين ووجوههم كل هذه السنين كان يجب تطويعها والنجاح في
جعلها أرخص مصدر للطاقة في العالم وتحويلها برد وسلاماً على جلودنا وقلوبنا
[تصديرها لأنها طاقة لا تنضب.علي هيئة طاقة كهربائية, قيام صناعة عليها
كتحلية مياه البحر, مصانع... سيارت, الآت زراعية...الخ].
- النخلة الشجرة
الوحيدة التي صمدت في وجه القبلي... لازالت غريبة عن عصر العلم، ولم يطلع أحد
علي جيناتها. ولم يتم تطويرها بحيث تنتج ضعف ما تنتجه من ثمور... بل فشلنا
حتى في تسويق ما تنتجه لنا... النبق لا يزال لغز حتى على الليبيين أنفسهم...
ولم يتم تصميم آلة لجمعه... ومن ثم تسويقه .الرمال لازالت تبتلعنا في
الصحراء.. وتعمي عيوننا عند تحرك أول بادرة "قبلي".. ولم ننجح في كبسها على
هيئة طوب للبناء لأنها من جنس الطبيعة... أو في صنع الترانزستور أو الخلايا
الضوئية منها أو استخدامها كمواد تعبئة في عمليات التباين اللوني
Chromatography. او كعازل حراري في البناء... الخ.
إن توطين العلم لا
يتم إلا بربط العلم بوجدان المجتمع وفي اعتقادنا يتم ذلك بربط النشاط العلمي
البحثي بالبيئة وبردم الهوة بين الانسان والآلة بالتدريب الجيد وربطه باللغة
أيضاً "الترجمة" فتجارب الأمم التاريخية تقول صراحة أن أي عصر نهضة علمية
يسبقه عصر ترجمة(ما تترجمه أسبانيا في عام واحد يساوي مجموع ما ترجمه العرب
منذ العصر العباسي إلى هذه اللحظة )....عندما نتخلص من بقايا فكر الالتقاط
... وننتقل من التفكير في الحاضر إلى التفكير في المستقبل سوف نفكر في إيجاد
البدائل [الثورة لابد ان تقع داخل الانسان].. ولن نستكثر أي ميزانية على
البحث العلمي... وسوف يقتنع المواطن... وتقتنع أمانة المؤتمر الشعب العام
.... بإنشاء أمانة جديدة مستقلة للبحث العلمي تصرف لها أعلى الميزانيات...
ونقتنع جميعا أن الجامعات ليست مدارس ثانوية... بل مؤسسات بحثية بالدرجة
الأولى يجب أ ن تكون مجهزة بجميع الأجهزة الحديثة .مهما كانت كلفتها.. وإلى
أن تأتي تلك اللحظة التاريخية المناسبة... على رأي القائد الروماني
"فابيوس"... سنظل غرباء عن عصر العلم... وأذا مانجحت العولمة في اطروحاتها
فسوف تنقل الصناعة الي الفقراء لتقليل الكلفة و سيصبح المحور الاساسي للصراع
في السنوات المقبلة هو براءات الاختراع عند تلك النقطة من التاريخ ..سنقف نحن
الليبيين بالذات عند مفترق الطرق... نحمل "دواميسنا" بداخلنا... ونمد أيدينا
في الظمات... ونؤجل أحلامنا إلى أشعار أخر... آنداك سيقول قائل منا كم
لبثنا... سنقول يوما أو بعض يوم... ولكننا سنضمن لكم سلفا بأنه يوما كان
مقداره خمسون الف سنة مما نعد!.
د. موسي أرميلة
تعليقـــــــــــات القراء
Gamal Khalil:
Thank you, very well done.
|