17/10/2008 |
|
||||||
|
|
|||||||
|
|||||||
(3) وسيبقى يوم الرجوع اليك … هو أجمل الأعياد● يصعبُ إدراك القيمة الحقيقية للأشياء التي تعطي للحياة طعما وللوجود معنى في ظل الظروف العادية للحياة.. لكن حين يُغـيّـب الانسان قسرا عن وطنه ويحرم من الاحساس بدفء عائلته وأهله ومن الاستمتاع بالرفقة الطيبة لصحبه.. عندها فقط يدرك حجم خسارته التي لا يعوضها شيء..
● فالمنفي يدرك جيدا ويعي بعمق الأحساس بنعمة الصحة عند المرض.. وبقيمة الفرح لحظة الحزن.. وبمدى أهمية وجود الأهل الذين يشاركونه فرحة الأعياد والمناسبات السعيدة.. ويشاطرونه مشاعر الحزن لحظة الـمـصاب و المناسبات الحزينة..● وللأمانة أقول بأنه ليس هناك أنسان أكثر تعاسة وألما ووجعا من المنفي قسرا عن وطنه.. سوى المنفي داخل حدود وطنه وعلى ترابه.. محروما من الإحساس بأمنه على نفسه وأهله وماله وصحبه..● ومما لا يقبل الشك فانه مهما كان شكل الحياة.. ومهما كان المستوى الاقتصادي.. الحضاري.. والثقافي للمجتمعات التي نقطنها في المنفى.. ومهما شرقنا أو غربنا في هذا الكون.. يبقى لوجه الحياة في الوطن نكهته الخاصة وبصمته العميقة في أرواحنا وقلوبنا..***● قررت هذا العام وعملا بنصيحة ملاكي الحارس في هذه الحياة أن أحاول استعادة الاحساس بالفرح وبقيمة الأشياء من حولي التي فقدتها منذ سنوات بسبب غيابي القسري عن وطني وأهلي وأحبتي الذي طال كثيرا.. وعدم قدرتي على الاطمئنان عليهم او سماع صوتهم منذ رحلت ولو بهاتفي النقال.. ومما زاد من وحدتي ووحشتي سفر معظم أخوتي الذين كانوا بمثابة أصدقائي وكل أهلي في غربتي.. واضطرارهم للرحيل الواحد منهم تلو الأخر بحثا عن سبل العيش الكريم في المنافي البعيدة.. وأصبح الهاتف النقال و ألنت هما وسيلتا الاتصال الوحيدتان للاطمئنان عليهم ومعرفة أخبارهم.. لكن بمرور الوقت.. وفي ظل غيابهم الذي طال.. باتت الدنيا في نظري بكل ما فيها باهتة وخالية من كل معانيها.. لذا حاولت العمل بالنصيحة.. والتمسك بالتفاؤل والأمل.. والحلم بغد أفضل قد يعوضني عن كل تلك اللحظات المليئة بالذكريات والحزن والشجن.. كما قررت الاحتفال بالعيد هذا العام متبعة كل طقوسنا الجميلة في الاحتفال به في الوطن..***
● في منتصف نهار أول أيام العيد.. الثلاثاء.. الموافق 30/9/2008.. تلقى أحد أخوتي مكالمة هاتفية من صديقه الذي يقطن دولة أجنبية.. وبعد تبادل التهنئة والسؤال عن الصحة والأحوال تعـقِــد لسان أخي المفاجأة وهو يدون رقما غريبا.. ويبدوا الفرح واضحا في بريق عينيه.. نبرة صوته.. وتلك الابتسامة العريضة التي أرتسمت على شفتيه.. وحين تنتهي المكالمة بالكاد يتمالك أخي نفسه من شدة الفرح ويبدأ في طلب الرقم السحري العجيب..● لم أصدق ما سمعت حين بدأ أخي يتحدث مع الشخص الموجود على الطرف الأخر بلهجتنا الليبية الجميلة فيما يسأله عن أحواله وأخر أخباره.. كانت المفاجأة كبيرة ليس بالنسبة لي فقط بل ولجميع أهلي وخصوصا أمي الحبيبة وأبي الغالي..● كان الشخص المجهول أكبر أخوتي الذي فرقتنا عنه الظروف منذ عام 1979.. حين تمادى النظام في سياسة الإرهاب والترهيب والتنكيل وشنق العباد من أبناءه الشرفاء على الشاشات وزجهم في السجون دون أسباب وبلا محاكمات.. وقيام لجانه الثورية بحملات الأعتقال التعسفي التي لم يفرق فيها بين الشيب و الشباب.. عندها قرر والدي إرساله لإكمال دراسته في الخارج.. كي لا يلقى به ظلما في غياهب الجب خلف الأسوار.. حيث لا شيء سوى العدم.. والليل الطويل المجنون.. المسكون بالموت و العذاب والألم..● أخي الذي فقدنا القدرة على الاستمرار بالتواصل معه بسبب اضطرارنا واضطراره للتنقل المستمر بحثا عن الأمن والأمان في المنافي البعيدة… أخي الذي لم أعرف عنه شيئا منذ أكثر من ثلاثة وعشرون عاما.. ولم أره منذ حوالي ثلاثون عاما من الغياب المستمر..● جاء صوته من بعيد.. ليثير في الذكريات.. وليحرك ما في روحي من جمر ساكن تحت الرماد.. من لهفة ولوعة و اشتياق وحنين للزمن الجميل في ربوع وطننا الحبيب حين كنا مجتمعين.. وكيف مرت بنا الأيام وفرقنا حكم طاغية من طغاة هذا الزمان تحت جنح الظلام مرغمين.. أخوتي الذين كانوا بالنسبة لي كل شيء.. والذين ما تصورت يوما أن غيابهم عني سيطول كل هذه السنين..● بعد الاطمئنان عن صحة وأحوال الجميع.. والوعد بعمل المستحيل في سبيل عدم الانقطاع والغياب من جديد.. تنتهي المكالمة.. على أمل لقاء قريب.. وفيما علت الوجوه ابتسامة كبيرة.. تنهدت أمي بعمق متمنية أن يعيد الله يوما لمّ هذا الشمل.. وغرق أبي في صمت محلقا بخياله في الفضاءات البعيدة.. وعمت بيتنا أجواء الفرحة.. وقضينا ما تبقى من النهار في محاولة للاتصال بباقي أخوتي وأخواتي المغتربين وتهنئتهم بالعيد ومشاركتهم الفرح بالبشرى السعيدة..***● ستبقى صورة العيد في ذاكرتي دوما مرتبطة برائحة البخور والطيب الذي كان يعبق أرجاء بيتنا فجر يومه السعيد.. وممزوجة بالحناء التي خضبت كفيّا .. وبحلاوة كعكنا .. وببسمات وضحكات أطفالنا الذين تحلقوا في فرح بأجمل الثياب وتغنوا في حبه بأجمل الأناشيد...● سيبقى العيد في وطني رغم الأعادي عامرا بالقلوب الطيبة الصادقة التي جاءت مهنئة بأجمل العبارات وأصدق الأمنيات بدوام الصحة وبالعمر المديد..● وستبقى أكـُـفـّـــنا مرفوعة لك بالدعاء يا وطني حتى تشرق شمس الحرية على أرضك من جديد مهما تهددنا الطاغية بالوعيد..● وسيبقى يوم الرجوع اليك أجمل الأعياد في نظري.. وان طال بي الغياب.. وان عدت محمولة على الاكتاف... فأنا لذلك التراب مدى العمر عاشقة.. فبكل سرور أموت في سحر عـيـنـيـكِ شهيدة.13/ أكتوبر /2008 |
|||||||